الجمعة، 28 ديسمبر 2007

ذكريات الرحى: محمود عباس مسعود

هذه الذكريات وغيرها من الموضوعات
تجدونها في موقع السويداء يوغا على الرابط التالي
http://swaidayoga.com/

ذكريات بعيدة قريبة

الإستيقاظ المبكر يذكرني بأيام الطفولة والشباب، وبالسنين التي قضيتها في القرية وبالبساطة الفطرية التي كانت تميز الحياة آنذاك
وأكثر ما أذكر سروات الفجر أو ما قبل الفجر أحياناً إلى كرم الشعاف الذي ما زالت ذكراه معتلقة في الشغاف.. بصحبة الوالد المرحوم طيب الله ثراه

فالسكينة العجيبة التي كانت تغلف الطبيعة كانت تتحدث بفصاحة إلى النفس وتوحي لها بوجود مستويات رقيقة شفافة حيث الأمن والطمأنينة والسلام والتفتح

كنا نسير في تلك الهدأة التامة والنجوم الساهرة الزاهرة ترصع قبة الفضاء اللامتناهي كأنها الدراري وقد نثرتها يد غير منظورة في المنفسح السحيق. وكان لتلك النيرات حديثها الصامت ووحيها الناطق.. وكانت لتلك الومضات الحية انعكاسات وجدانية وتجاوبات عميقة الغور لازمت أحاسيسي حتى اليوم
وما أن كنا نصل إلى مطحنة عبد الهادي حتى يبدأ طير الصباح بإرسال تغاريده البديعة وكأنه يحيي اليوم الجديد ويعرب عن بهجته بديمومة وتجدد الحياة. وكانت تلك الأناشيد الباكرة بمثابة تسبيحات عفوية تطلقها حتى الطيور بهمة وسخاء تحية لينبوع الحياة الذي لا ينضب، والذي لا يفتأ يبعث روح التجدد في الأرض وما عليها

وما كنا نقترب من الحرش الذي كنا نسميه (الهيش) ونتوارى بين أشجار السنديان والزعرور حتى تزداد جوقة الصباح الموسيقية أنغاماً وكأن أربابها المجنحة تتبارى في إظهار الفن الأصيل على حقيقته.. ذلك الفن الذي يعصى على التقليد. ويا لمتعة الآذان التي كانت تصغي بانتباه عميق لتلك التوقيعات البديعة التي تسري إلى خلايا الجسم ودقائق ذراته فتشحنها بتيارات النشوة وكأنها إكسير الحياة

ثم ما زلت أذكر تلك الرائحة العطرية المميزة التي كانت تتضوع لدى اجتيازنا نقطة معينة في طريقنا إلى الكرم، بمحاذاة شجرة الأجاص التي كنا ندعوها (النجاصة). ويا لها من رائحة نقية تنعش الأنفاس وتبهج الخاطر. لكن مصدرها العجيب ظل بالنسبة لي سراً لم أقف عليه، ولا أدري إن كان ذلك الأريج الخالص ما زال كعهدي به
ألا ما أجمل الحياة وما أنقى مظاهرها! ويا ليت الإنسان يتعلم البساطة والنقاء والصفاء من الحياة وتعبيراتها التي لا تقع تحت الحصر
ها نحن نقترب من المرقب، وما أعذب وقع هذا الإسم على قلبي! وقد اكتملت يقظة الطبيعة وأشرفت الشمس على البزوغ من وراء هضبة الشعاف. وما هي إلا دقائق حتى يسطع النور كسيل من ذهبٍ منصهر فيغمر البطاح والوهاد ويزيّن رؤوس الشجر بتيجانه ذات الألق المتوهج

نواصل السير حتى نبلغ الكرم وكأنه صديق حميم يرحب بنا ترحيباً ودياً ويستقبلنا بصنوف عديدة من الأعناب الشهية التي لم أذق عنباً بنفس العذوبة والنكهة المميزة منذ ودعت القرية قبل عشرات السنين
ولا زلت أذكر كل دالية (ديّارة) ونوع ولون ثمرها. ويا لها من تجربة قوية التأثير انطبعت في كياني وظلت مترسخة على مدى الشهور والأعوام. ومن أجمل ما أذكره عناقيد العنب الأسود أول النضج، وكيف أن لون الحصرم كان يتحول تدريجيا إلى لون أرجواني ضارب إلى الحمرة، وأخيراً تكتسب القشرة الخارجية لحبات العنب خضاباً أسود يحاكي الأبنوس صفاء ولمعاناً

وفي الجلّ الشمالي كانت كرمة (الحلواني) بعناقيدها الكبيرة وعنبها المستدير ذي النكهة الممسّكة. وأذكر أن أول مشوار لي إلى الكرم كان في سن الخامسة، وقد أطعمني شقيقي حمد رحمه الله من ذلك العنب وقال لي (هذا خوخ). وكم استطيبت ذلك (الخوخ) الشهي

وأذكر أيضاً أنه كانت هناك تينة صغيرة بمحاذاة الحد الغربي للكرم وشجرة زعرور أبيض بنكهة تفاحية وحولها عريشة كنا نستظل بفيئها أحياناً وننام فيها أحياناً أخرى

كم كان من السهل آنذاك التفاعل العفوي مع الطبيعة بما فيها من سحر وعبقرية وطاقات لا حد لها ولا انتهاء! فالطبيعة بأشكالها ذات التنوعات المدهشة هي التي أوحت لشاعرنا الخالد أبي القاسم الشابي أفكاره المجنحة ورحلاته التأملية فقال مترجماً أحاسيسه وانطباعاته

كذلكَ قالتْ لي الكائناتُ
وحدثني روحها المستتر

لا بد أن القرية قد تغيرت كثيراً، وقد سمعت أنها أصبحت مدينة صغيرة ذات نبض متسارع يختلف كثيراً عن نبض قرية الماضي البعيد حيث الأماسي الوادعة والأصباح الندية

لحظات نادرة من عمر الزمن أمضيتها في الطبيعة الغنـّاء، حيث صدى أناشيد الحقول والكروم والأشجار ما زال مترددا في أودية الذاكرة، بين هضاب الشوق وتلال الحنين

أما كرم الصفحى الطيب الذكر فكم كنا نبتهج بالذهاب إليه أيام الصيف عند الصباح وقد امتلأ الجو بضباب رقيق كنا ندعوه (الندى) يحمل في ذراته قوة سحرية تطيّر النوم من الأجفان وتنعش خلايا الجسم بتيار لذيذ، فنحمل السلال ونسير على الدرب الترابي وكأننا نكاد نطير من الفرح دون أن نعرف لماذا كل ذلك السرور

نصل إلى الكرم عن طريق المدخل الأمامي المعهود وكأننا دخلنا جنات النعيم. فنفرح لمرأى التينات المباركة وقد ثقل حمل أغصانها من أكواز التين البشاري والأحمر وغيرها. ولأن الكرم كريم حسب المثل الدارج فقد كنا نتناول ما طاب لنا من دانيات القطوف ذات الرحيق السكري الأشهى من العسل. وبعد تلك الترويقة الحلوة كنا نشرع في القطف وملء السلال. فأحدنا كان يتسلق التينة وآخر يدني الأغصان المثقلة إما باليد أو بالإستعانة بقضيب الحديد ذي الرأس المعقوف (الشِلف) وخلال برهة قصيرة كانت السلال تمتلئ، ولربما قطفنا أكثر مما تسع له السلال فكنا ننقله إلى الجهة الشمالية من الرُجمة المستطيلة بمحاذاة شجرة السنديان ونسطحه أي نضعه على الأحجار الملساء قصد تجفيفه، لنعود بعد أيام وقد جفّ فنلمه ونعود به إلى البيت ليؤكل فيما بعد إما مجففا أو مطبوخاً بالدبس، وبتعبير أحد الذوّاقة ’يا حلوّلوّ‘

ولا زلت أذكر الرمانة التي في وسط الكرم وليت لي القدرة البلاغية على وصف زهورها الحمراء – الزهرية المعروفة بالجلـّلنار. وكأن أزهى وأبدع الألوان تجسدت في تلك الزهور الرائعة التي كانت تنطق بفصاحة ويقين عن الجمال الإلهي الصاعق الذي يتراءى لنا لفترات وجيزة ثم يحتجب خلف ستارة المرئيات ليعود ويبرز ثانية في موسم جديد وبحلل بهية بديعة. وكأنه يستحث البدائه والقرائح كي تبحث عنه في رياض الروح وخمائل الوعي حيث ورود الإدراك لا تذوى والثمار المعنوية لا تنقطع.. وحيث اليقينيات تتحول حقائق ناصعة باهرة تتحدى الارتياب وتسخر من الشكوك

ولا زلت أذكر كرم المعقرات وكم كنت أستمتع بالعمل في ذلك الكرم المحبب إلى القلب لا سيما وقد اشتغلت ذات يوم لساعات طويلة مع شقيقي محمد وشقيقنا المرحوم حمد الذي كنا نبتهج للعمل معه وننذهل لإرادته الصلبة وهمته الجبارة. فيما بعد قمت بمساعدة شقيقي فوزي ببناء حائط من الجهة الجنوبية. وبالفعل كان الذهاب إلى كرم المعقرات من أمتع النزهات حيث الخلود للسكينة والتلذذ بمرائي الطبيعة وأحياناً الاستسلام لتهويمات من وراء هذا العالم. ما أعذب الطبيعة بينابيعها الثرة المتدفقة عطاءً وسخاءً لا يعرف التقتير

أما كرم المرقب فلم يكن فرحي به يقل عن فرحي بكرم المعقرات حيث صرفت مع شقيقي فوزي أياماً سعيدة في العمل به وجني ثماره الشهية. وقد كنا نذهب إليه مرة كل يومين أو ثلاثة أيام في الصيف فتنشرح صدورنا لمرأى العنب والبنادورة والقثاء (المقثى)، بل لمرأى الكرم نفسه وكأنه قريب حميم يزخر بالمحبة والعطاء. وكان موقعه أيضاً رائعاً للغاية. فالمرقب الأبدي كان يحرسه من جهة الغرب، وكان يطل على الشعاف والقليب، وتظل تربته ندية تتحدى الجفاف.. تلك التربة التي لامستها يدا الوالد المرحوم.. فسقياً لتلك الأيام السعيدة ذات الذكريات الصافية كدموع الطفل واللذيذة كالإغفاءة للجفون الناعسة

لعل هذه الخواطر تترجم ما أحس به نحو الأرض والوطن والمحبين من الأهل والأصدقاء. وهذه الأحاسيس ستبقى تتماوج كزهر الربى في حقول الوجدان وتومض كالنجوم القصية الدائمة التألق، وتتهادى كالأطياف في دنيا الأثير

وقد تبيّن لي أن السعادة الحقة لا تكمن في تكديس الأموال والسعي اللاهث وراء حطام هذه الدنيا المتراقصة كالسراب في قلب الصحراء.. بل في التناغم الروحي مع قوانين الحياة الخالدة المتصلة بضمائرنا، والعمل الشريف الدؤوب في كل ما يرضي الله والضمير ويخدم الإنسان ويقوي النفس ويغذيها بقوت الأخلاق والآداب. فمع راحة الضمير يأتي صفاء الذهن وطمأنينة النفس، فتنجلي براقع الوهم وتشرق شمس السعادة وتندحر فلول الظلام

أما الحقول النضيرة في فصل الربيع فلها حكاية ممتعة، حيث الطيور الجذلانة تملأ الأجواء بزقزقتها وشدوها الرخيم. وحيث النسائم الرقيقة تهب على الرياض المغتبطة فتداعب أزهارها الحالمة وكأنها تسقيها شراباً أثيرياً منعشاً فتنتشي وتترنح برؤوسها المتوجة وقد صبغت حمرة الخفر وجناتها الصقيلة وخدودها الوردية الناعمة

وقد نلمح فراشة تبسط جناحيها وترفرف هائمة من زهرة إلى أخرى محاولة ارتشاف رحيقها والتمتع بألوانها الطيفية

كل شيء يتحدث في تلك الحقول.. النور يبسم والأقحوان يرنو برموشه البيضاء.. وشقائق النعمان تتفتح بتلاته بصمت وتستقي ما طاب لها من أمواج النور وذرات الندى.. فينفح الأجواء بأريجه العابق المتضوع من قلبه النقي

أما الورود أو الزهور الصفراء المعروفة قاموسياً بالبهار، فقد كانت تبسط بساطاً زاهياً تنبثق منه أمواج متناهية الدقة تحمل الفكر المستهام على جنح الخيال وتنقله إلى آفاق كوكبية تزخر بالمعاني وتشرق بالسناء وأحلام الجمال

ها نحن نسير سيراً وئيداً على البساط الزمردي المرصع بآلاف الزهور. ومن حولنا الأشعة الدافئة تسكب لهفتها وحنينها بحرارة في قلب النبات فتنقل إليه حب السماء للأرض وما عليها

ألا ليت الفنانين العصريين يستلهمون مادة فنهم من الطبيعة ذات الفن الأصيل الذي لا نظير له. فالفن تعبير وجداني عن حالات نفسية ينبغي أن تكون راقية تبعث على الإعجاب. والفنانون المبدعون هم قلائل لأنهم غير مقلدين ويربئون بأنفسهم عن الإسفاف إلى منحدرات ضحلة إما جافة أو تستجمع مياهاً آسنة لا تصلح إلا للتبخر والتلاشي

هذا أقوله لأننا كل يوم نسمع (بمطرب) جديد تحيط به الألقاب البراقة مثل (مطرب الشباب) أو (مطرب الجيل) أو (المطرب اللامع).. وما أن يشرع بإظهار فنه ’الموهوب‘ حتى يقول السامعون ’نيّال الأطرش‘. ومع ذلك تراه يمعن في الزعيق ويتفنن في تعابير الوجه واليدين محتسباً أن الكائنات العليا قد تخيرت صوته ’الملائكي‘ لتجلو روائع فنها وتهديه تحفة للسامعين! وهذا بالطبع ينطبق على الكثير من (المطربات العصريات)

الفن رفيق الروح والقلب الذي يرفع أفكارنا ومشاعرنا ويطير بها على جنح الأشواق إلى دنيا ساحرة من البهجة والجمال ليعود بنا وقد تنقت أفكارنا من منغصات هذا العالم وتحررت نفوسنا من قيودها القوية التي تشدها إلى الأرض شداً. لكن النفوس المرهفة تبقى دائمة الحنين إلى ما وراء حدود هذا العالم، حيث الطمأنينة والشفوفية والأحاسيس النقية المتناغمة مع سيمفونية الوجود التي تستميلنا للتقرب من منابع الوحي ومصادر الإلهام

ولمصطبة بيتنا في الرحى أيضا حكايتها. فها هي الشمس قد آذنت بالغروب وتوجت أشعة الأصيل هامات البيوت والتلال المجاورة، وتصاعد دخان المواقد القروية معلناً أن أكلة المجدرة على الطريق.. وعما قليل ستمسي القبة الزرقاء مرصعة بالنجوم أو مفضضة بأشعة القمر، وسيعم الهدوء أرجاء القرية

ها قد بسطنا بعض الفرش على المصطبة ذات الجو العابق بطمأنينة المساء وكلنا شوق لسهرة مؤنسة تبعث في النفس الراحة والمسرة وتغسل من القلب الهموم وأسباب الكدر

وعلى مقربة منا في أرض الدار ترقد العنزات بقناعة ورضاء وقد باتت تجتر علفها وتتنعم بالهدوء والسلام المحسوسين

ويطل القمر بدراً من وراء هضبة الشعاف باستدارته الكاملة فنستقبله بالترحيب وقد رحنا نمعن تحديقاً في قرصه الفضي محاولين استجلاء ملامح ذلك الوجه الغامض بدهشة وسذاجة

وإذ أنسى لا أنسى كيف كنا نتناول العشاء من صفحة أو صينية واحدة. فكانت الأيدي تتناوب عليها جيئة وذهابا وتتلقف ما لذ وطاب من تلك الأكلات الشعبية الشهية التي كانت المرحومة الوالدة تتفنن في تحضيرها. وهل في العالم كله أشهى من الأكلات المصنوعة بأيدي الأمهات؟

وأحياناً كنا نتناول (تنشيفة) في آخر السهرة وتتألف غالباً من الخبز والبنادورة واللبن والمكدوس.. ومفتاح البطن لقمة! ونستمع لحكايا الشاطر حسن وحبيبة الرمان وأبو زيد وذياب ومرعي والزيناتي والجازية أم محمد، أي تغريبة بني هلال

وهناك أماكن ارتسمت صورتها بكيفية لا تمحى في المخيلة.. والإنطباعات المبكرة تبقى محفورة ومحفوظة بوضوح وجلاء في صفحة الذاكرة

فلننطلق نحو عين الحصوة. وهناك أغنية شعبية تشير إليها هي ( عَ عين الحصوة يا ما قيلنا..) إذ كانت عين الحصوة مصدر إلهام عجيب لكاتب هذه السطور. ففي وسط تلك البقعة من الأرض كان الماء ينبجس بغزارة وينساب صافياً رقراقاً في قناة ينبت على حافتيها النعنع البري والقرّة أي نبات الجرجير والقرّام الباسق مع بعض نباتات أخرى تبقى ناضرة شديدة الإخضرار طوال الصيف

كل هذا أتذكره فيولـّد في نفسي حنينا لاهباً يتماوج عبر انعطافات الفكر ليعانق ذلك الوهج السديمي المنساب شوقاً في السواقي أو المتهادي نشوة على أجنحة النسائم

وأذكر جلياً قطعان الأغنام والأبقار وهي ترعى الحقول المحصودة بينما أشعة الأصيل تسكب خيوطها الذهبية فتلف الوهاد والحقول بطبقة من ضياء، وكل ما في الطبيعة يتحدث بلغة السلام والجمال

أما ساعة الغروب فلها ذكرى خاصة في نفسي، لأنني كنت أنتظر تلك الساعة بلهفة ظمأى دون أن أعرف السبب من وراء ذلك الشوق. وما أن تشرع الشمس بهبوطها الوداعي حتى تلتصق عيناي بذلك المشهد الوهاج. وتظل أحداقي شاخصة إليه والشمس آخذة في الاحتجاب، تحيط بها هالات كالذهب البرتقالي تحاكي حنين الروح لمراقي النور وآفاق الخلود

وتختفي الشمس بعد أن تترك خلفها مناظرَ بديعة على خط الأفق وآثاراً عميقة في أغوار النفس

بعدها نشرع بالعودة إلى القرية. فالنهار قد انقضى ومصباحه قد خفت نوره، وها هو روح السكون بدأ يلف ويغلف الطبيعة ويدمغها بطابع سحري عجيب كنا نحسه ولا نقوى على تعليله

ما أروع ساعات الغسق وما أعذب ذكراها! ولعل الصغار أكثر قدرة على التجاوب والتفاعل مع تلك الظواهر العجيبة التي تتحدث حديثاً متواصلاً عن روائع الحياة وعظمة خالقها

ومع أنني رأيت الكثير من المناظر الطبيعة الخلابة في دنيا الاغتراب، لكن ما رأيته وما أحسست به في قريتي الرحى إبان مرحلة الطفولة وبواكير الشباب يبقى اختباراً فريداً في تاريخ حياتي. وسأحتفظ بصورة القرية مثلما عرفتها وعشت فيها أينما وحيثما كنت في دنيا الله الواسعة

أما ذكرى المرحومة والدتي فما زالت حية ً في أروقة الوجدان، مؤنسة كأنفاس الأمل، موحية روائع المحبة والتضحية والتحنان الزاخر. إذ تعلمنا منها الكثير بل أنها كانت مدرسة متكاملة لنا تلقنا في فصولها معاني الأدب ومبادئ الأخلاق واحترام أنفسنا والآخرين. لقد تميزت بسلامة الذوق وطيب السريرة مع ميل عفوي إلى البساطة في كل شيء. وكانت تشجعنا دوماً على الإعتماد على النفس وصرف الوقت في الأمور النافعة البناءة وتحاشي إلحاق الأذى بالآخرين ولو بكلمة عابرة

وللوالد المرحوم أيضاً انطباعات دائمة في ذهني، إذ أمضى الوقت الأكبر من عمره في الجد والعمل الشريف. وقد كان جلوداً على التعب، شديد المحبة لعياله وأقربائه وربعه.. صادق القول، حر الضمير.. وكان أصدقاؤه يشتاقون لمحضره ويستمتعون بروح الدعابة التي كان يتحلى بها

أما شقيقي المرحوم حمد وشقيقاي محمد وفوزي وشقيقاتي سمية وبهية وزهية وسلوى فقد جمعتنا روابط من المودة الأخوية ما زلنا نحس بها نحو بعضنا وهو أثمن ما ورثناه عن والدينا المرحومين، وقد زادت تلك الأواصر متانة بعد هجرة شقيقنا الكبير إلى جوار ربه

ولا بد أن أذكر بعض أصدقاء الطفولة والشباب لشقيقي المرحوم حمد منهم السادة أبو ناصر حمود أبو درهمين وأبو أمجد سليمان كنعان وأبو حكمت يوسف مسعود وأبو غسان ذيب مسعود وأبو غسان حسن جودية وأبو بهاء جميل عقل وأبو عمر نعيم مسعود وأبو وليد كامل مسعود والمرحوم أبو رامز نواف الأعوج والمرحوم أبو خلدون نواف مسعود والمرحوم أبو حسن مؤيد أبو راس والمرحوم أبو هشام ياسر أبو صعب والمرحوم جبر الحلبي، إذ جمعتهم أواصر متينة من الحب الأخوي والمودة القلبية

كما كان لرفاق والدي رحمهم الله مكانة خاصة في قلبي، فقد كانت الصداقة التي جمعتهم فريدة من بابها، إذ كانت المودة والاحترام صلة التواصل بينهم. فهم لم يغتابوا بعضهم مرة واحدة، بل كانوا مبدأيين في التعامل مع بعضهم وكأنهم أخوة بل وأكثر من ذلك. ومن هؤلاء الشيوخ: أبو حسن مرعي أبو صعب وأبو محمد شاهين كنعان وأبو فاضل كنج أبو راس وأبو يوسف فهد كنعان وأبو محمود أسعد أبو حمزة وأبو سعيد فايز كنعان وأبو يحي ابراهيم أبو صعب، وأبو صياح حمد أبو غازي وأبو حمد مزيد الشعار وأبو نواف صياح أبو راس وأبو حسن عويضة أبو راس وأبو حسين يوسف علبة وأبو سلمان حمود حسان وأبو حسن مصطفى أبو غازي وأبو نبيه محمود حسون وأبو ملحم حسن مسعود وأبو جميل اسماعيل علوان وأبو جميل سليمان عقل وأبو اسماعيل متعب أبو درهمين وأبو حسين يوسف الأعوج وغيرهم ممن أصبحوا في ذمة الله وجواره رحمهم الله وأكرم وفادتهم ورحم كل من فارق الحياة من قرية الرحى منذ مغادرتي لها قبل أربعة عقود. حقاً لقد كان هؤلاء الشيوخ الطيبون مع الهيئة الروحية الموقرة النواة الصالحة لقرية الرحى التي كان أهلها يعتزون بهم ويكنـّون لهم الإكبار والإعتبار وما زالوا يترحمون عليهم ويذكرونهم بالخير

ولأصدقائي منزلة خاصة في وجداني. وكم أجدني أعيش تلك الأيام السعيدة من شبابنا الغض وأتأمل عهد الصداقة الوثيق. ولعلهم ما زالوا يذكرونني مثلما أذكرهم وهل ستجمعنا الأيام ثانية؟! ولا يسعني إلا القول يا ليالي الأنسِ عودي واذكري رناتِ عودي ..أو شبابتي

بعض أصدقائي فارق الحياة أثناء غربتي منهم معروف الأعوج وسليم عقل وفهد العلي وعمار مسعود وشبلي أبو فراج وتوفيق حسون ومنصور أبو درهمين ومحمود أبو غازي ومحمود الأعوج وجميل الحلبي رحمة الله عليهم جميعاً وعلى سليمان الحلبي ابن صديقنا الكريم حسن. وكذلك شهداء سترد أسماؤهم في مكان آخر من هذا الكتاب

وهناك أصدقاء قدامى ما زالوا يحيون في ذاكرة القلب من آل أبو صعب والحلبي وكنعان ومسعود وأبو درهمين وأبو راس وأبو غازي والشعار وأبو حمزة والعلي وحسون وأبو زيد وعبد الخالق وأبو غاوي وأبو فراج وأبو زكي وأبو مراد ونصر الدين والأعوج وصعب وحسان والعيسمي وعقل وعلوان وحمزة وسلامة وعبد الحق وغرز الدين وغيرهم

وللأقرباء في سوريا والأردن وقطر ركنهم الدائم في رحاب الذاكرة. والخال أبو نبيل محمود مكانته محفوظة في القلب كما للخال الشيخ أبو محمد منور رستم والشيخ أبو مؤيد سلمان العريضي. أما أبناء المرحومين أعمامنا: عمنا حمود وعمنا عباس وعمنا حسن وعمنا عبدو وعمنا يوسف وعمنا صياح فلهم ولأولادهم الأعزاء التحية والمحبة

وبالإضافة إلى الرسائل التي تلقيتها من أقربائنا الأعزاء لا زلت أذكر رسائلَ طيبة أتتني من حسن الحلبي وجهاد أبو صعب ومحمود الشعار ومحمود أبو صعب وفاضل أبو درهمين وحسين الأعوج ونواف كنعان وجميل صياح أبو راس ونواف حسون أبو راس وجهاد العلي وتركي الأعوج وسلمان يوسف حسون وسلمان نصر الدين وفواز كنعان وسلمان حسن أبو راس وجميل أبو درهمين وزيد أبو درهمين وجميل علوان وخالد أبو سعدة وفيصل علوان وحمد كنعان وأخوته وعبد الكريم أبو صعب والشيخ المرحوم جودي أبو راس وممدوح الحناوي وفاضل عبد الحي وعارف سعيد الحناوي ونواف الشبلي وفؤاد ياغي وأيمن بلان وسمير الشاعر ويحي الشمالي وسلمان أبو حدور


ورحمة الله على كل من الأصدقاء سليم أبو الفضل وجميل الفقيه وياسر أبو سعدة وكمال عبد الحق

وتحياتي للأخ ثامر أبو سعدة الجبلي الأصيل وكذلك للأخ عاهد الصفدي وغسان مسعود وشقيقه بيان والأخت خلود حمزة وإلى الأصدقاء هيثم بلان وطالب مهنا ورأفت رافع أبوراس وبدوي المهجر وكافة أعضاء السويداء نت. وإلى أسعد أبو معلا ومنصور العيسمي وفوزي عبيد وفهد نجيب القنطار. وتحية حارة إلى صديقي الودود عماد بلان

وللذين لم أتعرف بعد على أكثرهم: الأحبة أبناء وبنات الأخوة والأخوات كل من نزيه وبوليفر وعمر وصالح وصلاح وزهير ومهير وماهر وأمين وعلاء وسلوى وهدى ومنى وإيمان وبهية وسوسن وجانيت وتغريد وفيديليا وتغريد ووردة وأمل وهيا ووعد وعهد وحنان ونجاح وإيمان وأُميرة ومها ونهى ونور ونسرين وربى وسوزان المودة الخالصة. وشكر خاص للغالي بوليفر على التواصل الدائم. وتحية لأصدقاء شقيقيَّ محمد وفوزي الذين يصلني سلامهم وأبادلهم بدوري السلام والمودة. وتحية لأبناء الخال أبو نبيل والخال المرحوم زيد والخالات أم حسين وأم أيمن رحمهما الله وكذلك لأبناء الخالة إم حسن، وتحية ايضاً لأم زهير وأم علاء

ولصديقي مرسل علبة أقول: عالبال بعدك يا رفيق الصبا

وتحية للصديق الدكتور فاضل بدرية، وما زالت أيام دير الحجر وشوربة العدس ماثلة في الخاطر. وتحية أخوية للصديق هايل كنعان

وللذين مروا في حياتي مرور الطيف أو حلم الفجر أقول: ما زلتم في قلب الذاكرة وذاكرة القلب

وأقول إلى شريكة حياتي ورفيقة دربي مارجوري

You will always be the same twinkling star; beaming with a steady lumonisity in the firmament of my life.

والآن لنعد قليلاً إلى حرش السنديان، إذ له حكايا عذبة في خاطري. فقد كنت أقصده أحياناً مع أبناء العم سليمان أو هندي أو مؤيد وأحياناً بمفردي فأتوغل في منعطفاته بين أشجاره الباسقة حتى لم أعد أسمع سوى صوت السكون يمازجه هديل شجي أو شدو رخيم. وكانت النفس تتحلل من قيودها إذ ذاك وترتفع بصورة لا شعورية إلى مواطن الجمال. كانت الساعات تمر كالدقائق وكأن الموجودات قد انعتقت من نطاق الزمن وراحت تترنم بأناشيد الخَلق الأول. وأحياناً كنت أخلد للسبات تحت شجرة ظليلة في جو من السكينة والأمن عند مسيل المِظلم، ولم أكن أدري آنذاك أن تلك النزهات المنفردة كانت بمثابة تتويج صامت لحقبة من عمري قبل ارتحالي عن تراب الوطن

قيل أن التذكار سر كل تمتع وكل مسرّة.. هذا صحيح، لكن حياة المرء لا تنحصر في تذكارات عهد مضى دون إعطاء الحاضر حقه من الواجبات المفروضة من الواقع. فهذا العالم الذي نعيش فيه يقوم على أسس الواقعية وكل ما يمس حياتنا يتطلب منا اهتماماً خاصاً وتركيزاً دقيقاً. ومن واجبنا معالجة كل ما يتصل بحياتنا بحكمة ومنطق، بعيداً عن التهور والتطرف.. لكننا في نفس الوقت لا يمكننا أن نبقى قانعين بالجانب المادي من الحياة لأن طبيعتنا أصلاً هي غير مادية بالرغم من الوجود المادي الكثيف الذي نعيش فيه ويحيط بنا

لهذا تمس الحاجة أحياناً للإبتعاد ولو بالفكر عن الخشونات المادية وقيودها الجبارة. فحرية المرء تكمن في أفكاره ما دام يحتفظ بقدر معقول من الصفاء والجرأة الأدبية. وقيود المرء أيضاً تكمن في أفكاره. وهذا الجوهر العجيب – أعني الفكر – هو الذي عن طريقه نرتفع إلى آفاق المعرفة واليقين والحرية، أو بواسطته ننحدر إلى مستويات دون المقام الإنساني والكرامة البشرية

لقد وهبنا خالقنا حرية الإختيار للتفكير حسبما يحلو لنا، وبحسب نوعية تلك الأفكار نصنع مستوانا في هذه الحياة. فدوافعنا وتوجهاتنا الفكرية هي التي ترفعنا أو تخفضنا بحسب نوعية تفكيرنا، ولذلك قيل ’المرء يقاس بأفكاره ونواياه

الحياة مدرسة وكلنا تلاميذ في صفوفها. فإن استغلينا الفرص المتاحة وبذلنا المجهود الصحيح لا بد أن نفرح وننجح في مدرسة الحياة
وإن طويتُ صفحة أخرى نحو الماضي السعيد ونحو فصل الشتاء بالتحديد، أجد نفسي مع الأهل والأقارب والأصدقاء متحلقين حول الموقد، موقنين بكل جوارحنا أن النار فعلا هي فاكهة الشتاء، ويا لها من فاكهة تبعث الدفء في العروق! أما الموقد الريفي فكان إضافة إلى عمله الوظيفي كأداة تدفئة فقد كان أيضا وسيلة مناسبة لطهو الأكلات الشعبية من كشك ومغربية وشيش برك ومقصصة إضافة إلى تحميص الخبز على جانبيه وغلي الشاي عليه. حقاً لقد كان صديقاً حميماً بالرغم من دخانه الذي كان يستدر المدامع أحياناً، ومع ذلك كنا نحتمل ذلك الإزعاج متمثلين بالقول الدارج آنذاك: دخان يعمي ولا برد يطعن. وللأصدقاء أقول: سقا الله تلك الأيام عندما كان إبريق الشاي يجمعنا

ومن ذكريات الشتاء.. الثلج.. تلك الظاهرة العجيبة التي كانت تغلف الأرض بتلك الملحفة الناصة التي تبهر العين والنفس لا سيما إن أشرقت الشمس عليها فزادتها ألقاً ونصوعاً

الأرض هنا الآن مكسوة بطبقة بيضاء مما يذكرني بقريتي وأهلي وأصحابي من جديد، مثلما تذكر الشاعر المهجري رشيد أيوب أيام زمان وطنه وأحباءه عندما تعاظم شوقه فراح ينشد:

يا ثلجَ قد هيجتَ أشجاني
ذكرتني أهلي وأوطاني
بالله قل عني لجيراني
ما زالَ يرعى حرمة العهدِ

كنا نستيقظ أحياناً دون معرفة مسبقة بحالة الطقس، وما أن نفتح الباب حتى نندهش لمرأى الثلج. وإن قـُدّر لنا أن لا نذهب للمدرسة في ذلك النهار يزداد فرحنا إذ ترقص قلوبنا بهجة وحبورا ونستبشر بيوم خالي المشاغل، ولا هم لنا إلا غرس الأحلام الندية في بساتين الطفولة والتمتع بمباهج الحياة البريئة في ظل الراحة والهناء

ما أقوى تلك الانطباعات الشبيهة بالنجوم دائمة الوميض في سماء الذاكرة
(وكم لنا في خاطر الليل من ضحكات.. تلاشت في لجة المجهول وظل صداها البعيد طيفاً سابحاً في دنيا الخيال!)

وتتسارع الأيام في سيرها الحثيث.. وتتعاقب الفصول.. وتزداد حياة الناس هموماً وتعقيدا.. ويتبختر الواقع بمتطلباته دائمة التجدد.. وتبقى السعادة منية النفس لا يمكن العثور عليها إلا في التناغم والانسجام مع المثل العليا التي لا يمكن الاستعاضة عنها أو حذفها من قاموس الحياة

تحدثت عن ذكريات الشتاء، ويعاودني المزيد منها كوننا الآن في عز الشتاء. ولهذا الفصل وقع خاص في النفس لأنه يوحي بالتماس الدفء الداخلي حول موقد المشاعر المتأججة شوقاً وحنيناً إلى كل ما هو رائع وأصيل وبعيد عن التكلف والتعقيد

ولقد كنت مغرما بجمع وجلب الحطب من الحرش وتقطيعه وتخزينه في أحد أركان المنزل المعروف بالقـُرنة التي كادت تمتلئ في إحدى السنين. وكان قلبي يشتعل فرحاً مع التهاب وقرقعة كل قطعة، لا سيما أن الوالد المرحوم كان يبارك تلك الجهود. وأذكر أننا كنا نشوي البطاطا في الطبقة السفلى من الفرن القروي أي الموقد ونسلق الشمندر على الموقد ونأكله مغمساً بالسكر مطبقين بذلك درساً عملياً من كتاب قراءة للصف الثاني الإبتدائي حيث كان بائع الشمندر ينادي بأعلى صوته: تعالَ يا بردان! طاب العسل طاب

أما ذكرياتي عن المدرسة فهي مزيج من العذوبة والمرارة لأن أساليب التعليم آنذاك كانت تطبق بموجب قواعد جامدة، وكان بعض أو معظم المدرسين يعمد إلى زرع الخوف في قلوب التلامذة من خلال استعمال القسوة التي لم يكن لها أي مبرر في نظري. فالعقاب بالضرب لا يجدي نفعاً، ويخلق حاجزاً كبيراً بين التلاميذ والمدرس، فيتحول ذلك الحاجز إلى كراهية واحتقار لصاحب اليد التي تهوي بالعصا دون رحمة أو شفقة على يد التلميذ. وأسلوب العقاب هذا ممنوع قانونياً في هذه البلاد، فإن حدث وقام أحد المدرسين بضرب تلميذ فالقانون هنا يحيل المدرس إلى القضاء أو إلى مجلس تأديبي

مع ذلك فإنني أعترف بفضل كل الذين تعلمت منهم. وتبقى الحياة المدرسة الكبرى، والإختبار الشخصي المدرّس الأقدر، لأن المرء يتعلم من تجاربه فيستفيد ويفيد

ولا بد أن أعترف أيضاً بفضل الأمهات لأن الأم هي المدرسة الأولى والمرجع الأول في التربية السليمة. والطفل الذي لا يتعلم أساسيات الأدب والسلوك في البيت لم ولن يتعلمها في أي مكان آخر

وأرى أن الدنيا بأسرها مبنية على أسس الخير والمحبة والسلام والوئام، بالرغم من الشرور الكثيرة التي تعمل جاهدة على تعكير سكينة الحياة وقلب الموازين الصحيحة رأساً على عقب. ولكن مهما كانت تيارات الشر قوية وعاتية لا بد أن تحطم ذاتها في النهاية لأن الكون قائم على دعائم الحق والفضيلة والإنسجام. إنما للأسف أصبح الناس لا يدركون هذه البديهيات فانحرفوا عن المسار وانجرفوا مع التيار ضاربين بذلك صفحاً عن القيم الحقة التي لا يمكن تحصيل السعادة بدونها


لقد وهبنا الله الإرادة الحرة والضمير والعقل وقوة التمييز بين الصالح والطالح والمفيد والمبيد. والحياة معادلة دقيقة التوازن، ولها طريقة حل واضحة تعطي نفس النتيجة في كافة الأحوال والظروف، وبدون تلك الطريقة لا حلول ترجى مهما تعددت وتنوعت المحاولات

إننا ننشد السلام والسعادة وراحة البال والرخاء والرضاء والحياة الخالية من الهموم والمتاعب. وهذه يمكننا تحقيقها إلى حد ما عن طريق الأفكار المتناغمة والقلوب المؤمنة والنفوس الذاكرة الشاكرة لمصدرها الذي منه الإنطلاق وإليه المآب

وتحية حارة إلى أبي الشهداء الجبل الأشم وإلى أم الشهداء الرحى التي قدمت كوكبة من أبنائها البررة من أمثال نايف كنعان ومرسل مسعود وفوزات العيسمي وثامر الأعوج ومحمود الحلبي وسليمان أبو زكي وجميل أبوصعب رحمهم الله جميعاً وأكرم مثواهم في جنان الخلد. وتحية لروح المجاهد ضامن صعب

وليس آخراً، جزيل الشكر لكَ أيها القارئ الكريم على مرافقتي في هذا المشوار الوجداني بما فيه من شعاب ومنعطفات وعلى الإصغاء لهذا الحديث الودي الصامت. فهذه الخواطر تكبر وتزداد عمقاً بمرورك الكريم. وثق يا قارئي الفاضل أينما كنت أنني أبعث إليك بأمواج المحبة والأماني الطيبة عبر هذه السطور. وعليك السلام، على أمل اللقاء مع مشوار جديد إن شاء الله

أما أنتِ يا قريتي الحبيبة فلا يسعني إلا أن أقول:

إن لم أعدْ يا رحى يوماً لأسكنك ِ
ففي فؤادي طولَ العمر ِ سكناك ِ

محمود مسعود
ميشيغن - الولايات المتحدة


القصيدة الألفية محمود عباس مسعود


هذه القصيدة الألفية وغيرها من الموضوعات والأشعار تجدونها في موقع السويداء يوغا على الرابط التالي
http://swaidayoga.com/



ألفية
إبن الجبل


نظم

محمود عباس مسعود

إهداء

إلى المتعطشين
لماء الحياة ونفحات الخلود
أهدي هذه الألفية

بسم الإلهْ الربْ الواحدْ الصَمَدْ
ومن هو في الكون ِ خيرُ مُستنـَدْ

يمنحُنا العونَ الذي نحتاجُهُ
ويوقِدُ أمَامنا سِراجَهُ

إن دَعوناهُ يسْمَعُ دُعاءَنا
وإن أتينا بابَهُ يفتحْ لنا

فإنهُ الأكرَمُ في عطائهِ
إن (الوهّابَ) أحدُ أسمائه

ونرفعُ تحية ً للأنبياءْ
ومثلها للأولياءْ الأصفياءْ

نفـّعَنا القديرُ من حضورهمْ
وغـَرَسَ في حقلنا بذورَهمْ

وليرحمْ الرحيمُ كُلَ من تـَرَكْ
أحبابَهُ في الأرض ِ وسْط َ المعتركْ

وهاجرَ إلى الحياة الآخِرة ْ
فلهُ منا التحيات العاطرة ْ

وبـَرَكاتُ البارئ الخفية ْ
لقارئ ِ وسامعْ الألفية ْ

ومن الناظِمْ أطيبَ الأماني
للأهل ِ للأحبة ْ للخلان ِ

لِمنْ لهمْ في القلبِ ركنٌ دائمُ
فقاربُ الأشواق ِ دوماً عائمُ

أخصُّ ربعَ الأردنْ بالسلام ِ
من أهلِنا وصحبنا الكرام ِ

ها قدْ بدأنا بالدعاءِ والسلامْ
والآنَ فلننتقلْ لباقي الكلامْ

يا من توَدُّ رؤية َ الأنوار ِ
ومعرفة جواهر الأسرار ِ

إن كـُنتَ تهوى نفحة َ العرفان ِ
والإقترابَ من حِمى الرحمن ِ

فابشرْ فقد نظمتـُها قصيدة ْ
من ألفِ بيتٍ تحتوي تجديدا

نوَّعْتـُها بالوزن والقوافي
سكبتُ فيها مُنتهى الألطافِ

ضمّختـُها بهمسةِ الوجدان ِ
محبة ً بصحبي وإخواني

ممنْ يحسّونَ بوجدٍ واشتياقْ
للقربِ بالخاطرِ من تلكَ الآفاقْ

لأهل ِ شوق ٍ دُرري ممنوحة ْ
لا لِسواهمْ فلأكـُنْ صريحا

تـُخاطِبُ قلوبَ من بهمْ حنينْ
للمعرفة ْ الروحية ْ.. للروح الأمينْ

أما الذينَ بـِهمْ شكٌّ وارتيابْ
لا فائدة ْ لهمْ من هذا الخطابْ

فليقرأوا في غيرهِ من السطورْ
أقولُ هذا إحتراماً للشعورْ


هذا الكلامُ فقط للتوضيح ِ
والعذرُ إن فاجأهم تصريحي


والآن فلنتابعْ الحديثَ
عن هذهِ الألفيةِ الحديثة ْ

فيها نجومٌ من سماء المعرفة ْ
والصدقُ والإخلاصُ مع روح الوفا

تأتي إليكمْ من ورا البحار ِ
مشحونة ً بالحبِ والإكبار ِ

تـُقريكمُ يا صحبيَ سلامي
وتنقـُلُ لكمْ كلَ احترامي

لقد سمعتُ عن عطشْ في الناس ِ
لكل ِ ما يروي ظما الإحساس ِ

وحيثـُني وصلتُ للينبوع ِ
فكرتُ أن أشرعَ بالمشروع ِ

فأنقـُلُ ماءً نقياً صافيا
يحوي غذاءً نافعاً مع عافية ْ

من بحر أقطاب العلوم العالية ْ
مكتـَسباً من العصور الخالية ْ

من مرشدي الروحاني أتاني المَددْ
والمصدرُ بالطبع ِ الواحد الأحدْ

لا أخفي أنَ قـَبَسي من وهجـِهِ
فإنني مكرَّسٌ في نهجـِهِ

فلمن يرغبْ حقاً بنيل الوطرْ
وبامتلاكٍ للجواهر والدررْ

فالمنجمُ فيهِ كنوزٌ نادرة ْ
لكل ِ نفس ٍ في الحياةِ حائرة ْ

تريدُ أن تحلَّ ألغازَ الوجودْ
وتنعَمُ بالقربِ من روح الودودْ

فللذينَ فيهمْ شوقٌٌ للإلهْ
ورغبة ٌ للإقترابِ من سماهْ

يا مرحبا إني لكمْ يا إخوتي
وروحيَ بينكـُمْ في ألفيتي

فكلُ بيتٍ يحمِلُ حنيني
وشوقيَ على مدى السنين ِ

في كل ِ يوم اطلبْ المولى القديرْ
تشعرْ بفيض ٍ من بركاتٍ غزيرْ

واهمسْ لهُ حباً رقيقاً صادقا
وابعثْ لهُ شوقاً عميقاً عابقا

تجِدَهُ أقربْ من القريب ِ
وأكثرَ وداً من الحبيب ِ


إطمَعْ به كأشعب الزمان ِ
أحببهُ كالبخيل ِ للرنـّان ِ

حُبّ المُتيَّمْ للحبيبة ْ الغالية ْ
حُبّ الغريق ِ للأيادي الحانية ْ

فإن بثثتَ اللهَ شوقاً عارما
يأتي إليكَ يا ذا النفس الهائمة ْ

إن الإلهَ كامِنٌ في ذاتِكَ
هيا اكتشفهُ في صميمْ أعماقِكَ

ولا تفكـّـرْ أنَ في الدُنيا صُدَفْ
فإن فعلتَ فيقينكْ من صَدَفْ

قد رتـَّبَ اللهُ لنا هذي الزيارة ْ
لنبحثَ عن الذات اختيارا

لكنما الإنسانُ ينسى الغاية ْ
ويقـَعُ فريسة َ الغِواية ْ

ويضربُ صَفحاً عن التفكير ِ
مع التأمُّلْ في ذات القدير ِ

يظنُ أن نفسَهُ مفصولة ْ
عن مصدر ٍ هي بهِ موصولة ْ

فيقترنْ وعيُهُ بالحواس ِ
ويلهَثُ ركضاً وراءَ الناس ِ

إنْ ذكـَـرَ اللهَ فباللسان ِ
لكنَّ القلبَ في مكان ٍ ثان ِ

والبعضُ صارَ مُلحداً ضليعا
يفخرْ بكفر ٍ.. ينكرُ البديعا

كأنـَهُ المجرّة ْ في السماءِ
لا حبة ً من رمل ِ في الصحراءِ!

طوبى لمن للمولى دوماً يذكـُرُ
وإن ذ ُكِرْ أمامَهُ يستبشرُ

يحيا سعيداً آمناً في ذاتهِ
إذ ْ يتأملْ أروعَ آياتهِ

ثقْ أن مولانا الذي أبدَعَنا
كانَ وما زالَ دواماً معنا


محبة ُ الرحمن ِ قوَّة ْ مُطلقة ْْ
فيها التخلـُّصْ من هموم ٍ خانقة ْ

فاحببهُ حُباً نابعاً من مهجتكْ
تزدادُ نعمة ْ.. تتعاظمْ بهجتكْ

واعلمْ بأن اللهَ ينبوعُ الفرحْ
إن حلَّ في الوجدان ِ يهربُ الترحْ

اهمسْ له حُباً عظيماً فائقا
وابعثْ لهُ ودّاً عميقاً صادقا

يأتيكَ مِنهُ كلُّ خير ٍ مرتجى
تصفو البصيرة ْ ويستنيرُ الحِجى

من يطلبُ عونَ القدير ِ لا سِواهْ
يحصلْ على الفيوض ِ من عند الإلهْ

فبحرُهُ يزخرْ بأمواج المَدَدْ
والدرُ في قاع ِ المحيطِ لا يُعدّ

يمنحْ كنوزاً للذي يطلبُهُ
يثقْ بهِ.. يحبُهُ.. يعبدُهُ

إن عطاءَ اللهِ من غير ِ حسابْ
يحقق المرادَ من دون ِ ارتيابْ

فاحفظـْهُ في أعماقِكَ ليلَ نهارْ
خاطِبهُ همساً وسينزاحُ الستارْ

بحبنا للهِ نـُحرزُ النقاءْ
ونقتربْ خطوة ً من قلب السماءْ

صلِّ لـَهُ يا صاحبي صلِّ لـَهُ
من عُمق ِ وجدانِكَ من دون ِ سهو


واغرسْ بذارَ الشوق في حقل الفؤادْ
تصبحْ حبيبَ اللهِ ما بين العبادْ

ثقْ أن عيناهُ عليكَ كلَّ حينْ
لا يترُككْ لا يخذلـَكْ طولَ السنينْ

يشتاقُ مِنكَ دعوة ً ودّية ً
وهمسة ً ووردة ً ندية ً

يا ليتكَ يا صاحبي يا ليتكَ
تعتبرُ قلبَ الإلهِ بيتكَ

فتشعرُ بالدفءِ قربَ الخالق ِ
ويشرقُ وعيُكَ بالبوارق ِ

وإن نظرتَ الشفـَقَ عندَ الغروبْ
فاذكرْ في تلكَ اللحظة ْعلامَّ الغيوبْ

واعلمْ بأنَّ الربَّ ينبوعُ الجمالْ
في البحر ِ والبر ِ وهامات التِلالْ

لا تجزعَنَّ من ظروفٍ وصروفْ
فالمؤمنُ بالحق ِ لا يقهرهُ خوفْ

كن حازماً.. كن جازماً في المُعتركْ
وثقْ بأنَ اللهَ سوفَ ينصُركْ

ويجزلُ لكَ العطاءَ والثوابْ
وإن قصَدْتَ بابَهُ يأتي الجوابْ

فاللهُ يعطينا بـِلا حساب ِ
وإن قـَرَعنا يَهرعُ للبابِ

يفتـَحَهُ ثمَ يقولُ يا هلا
أنتمْ ببيتي هاكمُ شهْدَ الحلا

ترَّشفوا الرحيقَ بالهناءِ
وانتعشوا بَعْدَ ذاكَ العناءِ

مقامُكمْ عندي على الدوام ِ
في مأمن ٍ من قبضة الأوهام ِ

فاستمتعوا بالمجدِ والسعادة ْ
واقتبلوا من قلبيَّ الودادا

أجل..
فاللهُ لا ينسانا من عطائهِ
يُرسِلْ غيوثَ الغوثِ من سمائهِ

يَرُدُّ عنـّا.. يحفـَظ ُ أحبابـَنا
ما دمنا نؤمنْ بهِ مهما انتابنا

واللهُ يعطي من لهُ يرجو ومنْ
ينظرْ إليهِ لا إلى المخلوق ِ

يخفـّفُ عنهُ البلايا والمِحنْ
ويبعدُ الشرَّ عن الطريق ِ

في قلبـهِ نحيا حياة ً هانئة ْ
وتشعرُ بهِ النفوسُ الهادئة ْ

وعندما نحتاجهُ يُسعفنا
بلمسةٍ فيها العزاءُ والهنا

والخيرُ يأتينا كغيثٍ منهمرْ
لا ينقطعْ مددهُ طولَ العمرْ

تباركَ الرحمنُ ما أعظمَهُ
هو لنا دوماً كما نحنُ لهُ

وعندما الوقتُ يحينُ للرحيلْ
ينقـُلـُنا للتوِّ للبيت الأصيلْ

فمن يشعرْ بحبِ اللهِ دوماً
يعشْ سنيهِ في حصن ٍ منيع ِِ

وإن حادَ عن الدربِ قليلا ً
يسارعُ بالرجوع ِ إلى المهيع ِ

فانشـُدْ دوماً يا مريدْ
لرب العز بالتحديدْ

قلبي عامرْ بالإيمانْ
بالذي صاغ َ الأكوانْ

مِنْ خاطري لا يروحْ
هو لي أسمى طموحْ

ذو الجلال ِ والإكرامْ
فيهِ تحقيقُ المرامْ

فيهِ عزّي والأمانْ
عِندهُ حقي مُصانْ

إذا الأجواءُ اكفهرتْ
وجيوشُ الظلمة ْ كرّتْ

يأتي من ربي شعاعْ
فيبددُ الخِداعْ

فيهِ روحٌ ويقينْ
وبركات ُ الأمينْ

وشعورٌ بالحضورْ
ورجاءٌ وسرورْ

أغرفْ من بحر الرحمنْ
تأمَّل بالحقائقْ

تحيا دوماً في أمانْ
تقتربْ من الخالقْ

تتمدَّدْ في الأكوانْ
تتخطى العوائقْ

ترتقي نحوَ الجـِنانْ
بهذا أنا واثقْ

هيا إسعَ جاهداً نحو الإلهْ
علكَ تحظى بلقياه السعيدْ

وتحسُ باقترابٍ من عُلاهْ
فيصيرُ كلُ يوم ٍ مثلَ عيدْ

اهمسْ لهُ فإنـّهُ حبيبُكَ..
يا ربُ إني قد قرعتُ بابـَكَ
فافتحْ لأني أحدُ أحبابـِكَ

فكـّر بقلبكْ بالإله الأعظم ِ
واستبدِلَ التنهيدَ بالتبسُّم ِ


وإذا الزمانُ خادعَ في غيِّهِ
ألفيتَ في اللهِ صديقاً وافيا

ينفحْكَ حباً خالصاً متجدداً
ويظلُ تحنانـُهْ عليكَ ضافيا

فتحسُ أنـّهُ لا يفارقُ مهجتكْ
أكنتَ صحياناً أمْ كنتَ غافيا

وهل سمعتمْ كلماتُ العارفِ
عن التقرُّب من أبي اللطائفِ؟

فهذهِ الأقوالُ فيها نغمة ٌ
طريفة ٌ وفيها أيضاً حكمة ٌ

لو بغسلْ الجسم ِ الربُ يُعرَفُ
لغدوتُ قيطساً وسْط َ البحار

لو بأكل النـَبتِ حتماً يُدرَكُ
لاتخذتُ شكلَ ماعز بافتخارْ

لو بعدِّ المسبحاتِ يَظهرُ
كنتُ سبّحتُ بحباتٍ كبارْ

لو بسجدٍ للنصوبِ يبرُزُ
لانحنيتُ للجبال ِ والصخورْ

لو بشرب اللبن ِ يُرتـَشفُ
لتذوّقـْهُ العجولُ والصغارْ

لو بهجر الزوجةِ يُستحضَرُ
لاختصى الآلافُ فوراً باختيارْ

كلُ هذي تعجزُ عن كشفهِ
لا ولن تقوى على رفع الستارْ

يظهرُ اللهُ بشرطٍ واحدٍ:
حبُ قلبٍ واشتياقٌ مثلَ نارْ

ولدى التفكيرِ بالمولى الحبيبْ
سوف تأتي ومضاتٌ كالشرارْ

فاسقني دوماً من الماء القـُراحْ
واشفِ يا رباهُ ما بي من أوارْ

الدنيا ملأى بالخداعْ
والأنانية ْ والصراعْ

وليسَ من أمن ٍ سوى
في الاقترابِ من السميعْ

أحبـُكَ من وجداني
من مهجتي والخاطرْ

وبكل ِ لحظة ْ أشتاقـُكَ
يا زهرَ الرُبى العاطرْ

وأسعى نحوكَ دوماً
يحدوني الرجا الزاهر

سألقاكَ.. سألقاكَ
إثرَ تجسدي العابرْ

هو عندي أسمى غاية ْ
والبداية ْ والنهاية ْ

به أعجِبتُ كثيراً
كونهُ أروعْ حكاية ْ

هو نبعٌ متجددْ
منهُ تطيبُ السِقاية ْ

هو يحيا في ضميري
وهو ربُّ النوايا

يا مرشدي خذ بيدي
واهمسْ لي حتى أهتدي

منارتـُكْ هي النجاة ْ
ولمستـُكْ فيها الحياة ْ

يا سيدي.. يا سندي
أنتَ النعيمُ الأبدي

الشمسُ تشرقُ كلَّ يوم ٍ مرة ً
لكنْ حضورُهُ دائمُ الإشراق ِ


والكونُ يخضعُ للزوال إنما
هو الخلودُ الأبديُ الباقي

وروحُهُ يرعى المريدَ دائما
ويدُهُ تحميهِ من كل أذى

ففوقَ ماءَ الوهم ِ يبقى عائما
مستنشقاً إسمَ الإلهِ كالشذى

عاينـْهُ في الناس ِ الذينَ حولـَكَ
في الأهل ِ.. في الأصحابِ.. تجدْهُ لـَكَ

أما التواضعْ فهو شرط ٌ أكيدْ
هيهات أن تستغني عنهُ يا مريدْ

ما أنتَ إلا ّ قطرة ٌ من بحرهِ
لكنَّ في القطرةِ كلُّ سرّهِ

إياكَ تبسمْ بسمة َ التهكـّم ِ
وليدة َ كهفْ الضغينة ْ المُظلم ِ

ولا ترحّبْ بابتسام ٍ كاللصوص ْ
إذ يسرقُ صِدقَ النوايا والخلوصْ

والبسمة َ الرقطاءَ فاحذرْ إذ هيَ
فيها السمومُ الناقِعة ْ والهاوية ْ

مختبئة ْ خلفَ افترار ٍ ناعِم ِ
قتـّالة ٌ للصادِح ِ والباغِم ِ

واطردْ من النفس ِ براكينَ الغضبْ
إذ تطلِقُ دخانـَها مع اللهبْ

ولا تعكـِّـرْ صاح ِ مرآة الفؤادْ
بسحنةٍ ناشفةٍ مثلَ الرمادْ

والضحكُ إن حاكى صهيلَ الأبجر ِ
ينبئُ عن فـَهم ٍ كليل ٍ أعجر ِ

نبعُ السعادة ْ ينبغي أن ينبلجْ
من تربة العقلْ الرزينْ المبتهجْ

ويبعثُ الإشعاعَ مثلَ الجدول ِ
إلى نفوس ٍ تستطيبُ الجذل ِ

ولتنطلقْ بسماتـُكَ نحوَ السما
لنجمِها إذ يعشقُ التبسُّما

وليبتسمْ ربُّ السما من بسمتِكْ
ولينقـُلْ البرَكـَة َ من لمستِكْ

ليغمرَ نفوسَ من هُمْ حولـَكَ
فيفرحوا عندَ سماع ِ قولكَ

وتغتبط ْ للقرب ِ من مصدَرِكَ
وتشعرُ أنَّ الإلهَ مَعَكَْ

اكشفْ عن الإيمان ِ في أعماقِكَ
من حُبـِكَ للهِ.. من أشواقِكَ

فاللهُ يَعملْ دوماً من خلالِكَ
يُرشِدكَ.. ييسرُ أحوالـَكَ

وإن سألتَ حاجة ًً يعطيكها
وإن طلبتَ غِبطة ً يسقيكها

فتنتشي بفرح الرحمَن ِ
وتبتهجْ بنعمة الإيمان ِ

واعلمْ بأنكَ حقاً روحٌ لا جسدْ
لا تفنى بل تحيا دواماً للأبدْ

تأتي إلى الدُنيا وحيداً عارياً
وترجعُ والكفُ منكَ خاويا

مهما جَمَعتَ ها هنا من مال ِ
ستتركُ مخزونكَ في الحال ِ

أما إذا اكتسبتَ عِلماً نافعا
فالعلمُ يغدو لكيانِكْ رافعا

يُدنيكَ من مستويات الروح ِ
حيثُ النفوسُ تحيا بالأفراح ِ

وعِشْ حياة ً كلـها نظافة ْ
تأتيكَ أرواحٌ بها لطافة ْ


وانتهجْ الصِدقَ في كلِّ حال ِ
فالحقُ لا يخشى من التسآل ِ

وقاومْ الوسواسَ والإغراء َ
تكتسبْ العزيمة ْ والمروءة ْ

سترجَعُ للهِ يوماً فانتهجْ
دربَ الفضيلة ْ.. إن فعلتَ تبتهجْ

وسلـّم الأمرَ إلى الله الأحدْ
يُنجيكَ من كل المخاوفْ والكـَمَدْ

ومهما كنتَ خاطئاً يـَقبلـُكَ
إن قلتَ يا رباهُ إنني لكَ

فاغمُرْني بالرحمةِ أيا سيدي
ها قد مددتُ بالرجا لكَ يدي

اللهُ لن يُحرمُكَ من عَونهِ
لأنكَ متممٌ لكونه ِ

وسوفَ يُرسلْ لكَ أرواحَ السماءْ
كي ينجدوكَ من هُموم ٍ وعناءْ

إفرحْ فإن اللهَ يُحب الفرحْ
فإن كشَّرتَ فاعتبرهُ قد بَرحْ

وإن رغبتَ بالسعادة ْ الدائمة ْ
ففي التأمُلْ تغدو النفسُ عائمة ْ

في أوقيانوس الغبطة ِ الكونية ْ
حيثُ المرائي الرائعة ْ السنية ْ

واذكرْ بأن العقلَ.. الروحَ.. والجسدْ
يشدُّهمْ خيط ٌ كحبل ٍ من مَسدْ

فابْق ِ الجسدْ معافىً من كل سَقمْ
واشحنْ قوى العقل ِ بنيران الهممْ

وغذ ِّ شوقَ الروح ِ بالتأمُل ِ
لتنتعشْ وبالسرور تمتلي

لكل ِ شيءٍ سَمْتـُهُ وسِماتـُهُ
فاللهُ حاشا أن يكررْ ذاتـَهُ

والبحثُ عنهُ يختلفْ بينَ البشرْ
ما مِنْ اثنين ِ لهما نفـْسْ الفكرْ

إعلـَمْ بأنـَكَ زائرٌ أو سائِحُ
لهذه الدنيا وستبارحُ

أنتَ هنا لفترةٍ قصيرة ْ
من بعدِها ترحلْ إلى جزيرة ْ

فيها جمالٌ رائعٌ للغاية ْ
يُبصِرُهُ الصامدُ للنهاية ْ

لا تحصرْ الوعيَ بدنيا واحدة ْ
قصيرةٍ.. وبالنهاية بائدة ْ

واذكر بأنَ الروحَ فيكَ يقطـُنُ
وأنكَ في ذاتهِ مستوطنُ

واسْعَ إلى اللهِ بقلبٍ مُنفتحْ
واطلبْ رضاهُ وبأشواقِكْ فبُحْ

واحفظهُ دوماً دائماً في سِرّكَ
يُيسِرُ في كل حال ٍ أمرَكَ

وإن رغِبتَََََ يا مريداً في الشفاءْ
يأتيكَ من عند القدير ِ في السماءْ

وارفعْ منسوبَ فكرِِكَ كي ترتفعْ
لقلقلاتٍ أبداً لا تستمعْ

واعلمْ بأنَّ الروحَ مِحورُ الوجودْ
وأنـَكَ سوفَ إلى الله ِ تعودْ

فاذكـُرْهُ كـُلَّ لحظةٍ في قلبـِكَ
تراهُ في كل الوجوهِ حولـَكَ

وكنْ وفياً دوماً للصحابِ
فالربُ يأتيكَ من ألفِ بابِ

يأتي إليكَ من خلال الأصدقاءْ
فكـُنْ وفياً لهمُ كلَّ الوفاءْ


فيَدُهُ تأتيكَ من خلالِهمْ
وكـَمْ أطعمْكَ عِنباً من سلالهمْ!

هو الصديقُ الأعظمُ.. لن يَترُككْ
للحظةٍ في العمر ِ.. لا لن يهجُركْ

فثقْ بهِ تراهُ دوماً معَكَ
وكـُنْ لهُ تجدْهُ دائماً لـَكَ


وانصتْ لصوت اللهِ في السكون ِ
تسمعْ صَداهُ في رحاب الكون ِ

وفي السكينة ْ تنبُعْ مياهُ السرورْ
وتغمرُ الإحساسَ بالفيضْ الغزيرْ

فاعلمْ بأنَ اللهَ كـُلـُهُ فرحْ
ومن يحسُّ بحضورِهْ ينشرحْ

وينهلُ من أكرم المنابع ِ
ويتصلْ بأقدس المَرابع ِ

ويشرقُ النورُ على كيانهِ
ويبصرُ الخالقَ في أكوانهِ

لا بَأسَ أن نطلبْ من الوهّابِ
تحقيقَ حاجاتٍ بلا حِسابِ

أما إذا لم يستجِبْ في الحال ِ
لا يعني هذا رفضاً للسؤال ِ

بل قدْ تكونُ عِندهُ هدايا
يريدها لنا مع الهـِداية ْ

ثقْ أن من أبدَعَكَ لن يخذلكْ
ما دُمتَ تؤمنْ أنه حقاً مَعكْ

عزّزْ يقينكْ بالإله الأكرم ِ
واهرعْ إليهِ في المَلمّة ْ واحتم ِ

تجِدْ بهِ حصناً منيعاً في الخطرْ
يحميكَ ويحققُ لكَ الوطرْ


لا تعتبرْ أنكَ خاطئ أو أثيمْ
فجوهرُ اللهِ بكَ حقاً مقيمْ

أكـِّدْ لنفسِكْ أنكَ حبيبُهُ
واذهبْ إليهِ دوماً واقرعْ بابـَهُ

تجِدَهُ مُرحّباً بمقدمكْ
وقائلا ً.. إني لكَ.. دوماً مَعكْ

فقلبُهُ يرعاكَ كلَ ثانية ْ
وروحُهُ دوماً عليكَ حانية ْ

لكنْ متى أحببتهُ من قلبـِكَ
ستجتنبْ ما لا يُحِبُ ربُكَ

وتحيا كي ترضيهِ في أفعالِكَ
وتفحصُ فكرَكَ مع أقوالكَ

اللهُ لن يترككَ دقيقة ْ
ما دمتَ تؤمِنْ أنها الحقيقة ْ

إما إذا شككتَ في حضورهِ
عيناكَ لن تكتحلَ بنورهِ

لا تـُلق ِ بالا ً للذي ينكرهُ
بلْ ابقَ في حضرةِ من يذكرهُ

من ينكر اللهَ جَهولٌ بامتيازْ
وقد رأينا بعضاً من هذا الطرازْ

مع ذلكَ نعذرهمْ لأنهمْ
ضحية ُ الجهل الذي يسكنهمْ

من قالَ أن لا إلهَ في الوجودْ
يديرُ الظهرَ إلى أنوارْ الوَدودْ

فيُمضي العمرَ في شكوكٍ قاتمة ْ
ونفسُهُ المسكينة ْ تبقى نائمة ْ

وعقلهُ يشكو من الجفافِِ
إذ يبتعدْ عن مصدر الألطافِ

والفكرُ فيهُ يبقى في اضطرابِ
مثل السفينة ْ وسَطَ العُبابِ

يضربُها موجُ المحيط بغضبْ
فترشحُ وتترشّحْ للعطبْ

أما الذينَ يؤمنونَ بالرحيمْ
لا يفقدوا الإيمانَ حتى في الجحيمْ

ولو أصيبوا يوماً في الصميم ِ
قالوا مقبولة ْ من يد الكريم ِ

كلُ النفوس ِ سواسية ْ في الجوهر ِ
بالرغم ِ من تبايناتْ المظهر ِ

والفرقُ بينَ المرشد ِ والطالب ِ
المرشدُ قامَ بجُهدْ الراغب ِ

وهامَ في حبِ الإلهِ الأعظم ِ
فأصبحَ إلى السماءِ ينتمي

وبرهنَ للهِ عن أشواقهِ
فسكنَ الرحمنُ في أعماقهِ

فالفكرُ مثلَ المغناطيس الجاذبِ
وفعلهُ بالفعل ِ كالعجائب ِ

يعملُ في الحُبِّ وفي البغضاءِ
ويجتذبْ أصحاباً مع أعداءِ

من فكـَّرَ بالطيبينَ يجتذبْ
إليهِ هؤلاءَ من دون ِ تعبْ
ومن يفكـِّرْ بالذي يكرههمْ
يعيشُ دوماً بالأفكار ِ معَهمْ

في توأم السِيام ِ سرٌ للفطين ْ
مَرَدُّهُ الولـَعْ أو الحِقدْ الدفينْ

ففي تجسُّدْ سابق ٍ لهذا
جوابٌ على كلمة ْ لماذا

وإلا ما كانا ليولدان ِ
بهذه الصورة ْ ملتصقين ِ

قد مَنـَحا الحُبَ العظيمَ لبشرْ
وتركا اللهَ المحبَّ ينتظرْ

أو أطلقا كـُرهاً عميقاً قاتلا
فاقتربا قـُرباً مريعاً هائلا

هذا لمن يؤمنُ بالتجسّدِ
فالروحُ ينهي العمرَ ثم يبتدي

كيما يتممْ عملا ً لم يكتملْ
أو كيما يُصْلِحْ ما استطاعَ من خللْ

إن عاثت الضغائنْ في أفكارهِ
عادَ ليجني الغرسَ مع بذارهِ

أما الخطيئة ْ فهي ما يُنسي
الإنسانَ عن ذِكر الحكيمْ القـُدسي

والذاكِرُ للهِ أنـّى يقترفْ
ما ليسَ يسمحْ باقترافهِ الشرفْ

الكونُ كلُ الكون ِ مسرحية ْ
وصورٌ واضحة ٌ جلية ْ

يُبصرها الوعي الذي لم يستعِدْ
وحدَته لأنه عنها ابتعَدْ

والمتوحِّد صاحبُ الأحوال ِ
يبصرُ النورَ من ورا الأشكال ِ

تلكَ هي حالاتُ كشفٍ فائقة ْ
يعرفها الصوفية ُ العمالقة ْ

ولهمُ القدرَة ُ على الإنطلاقْ
لأي ركن ٍ ها هنا أو في الآفاقْ

لكنهمْ لا يفعلونَ المعجزاتْ
كي يجذبوا الناسَ ألوفاً ومئاتْ

فالمعجزة ْ الكبرى هي حُبُّ الإلهْ
ومن يُحبُ اللهَ لا يبغي سواهْ

امتلِكْ الإيمانَ وكنْ حذِرا
واستعملْ التمييزَ مع كل الورى


فاللهُ قد وهبنا العقولا
لنبصرَ ونفعلَ المعقولا

وانتق ِ الصحبَ بعناية ْ وافية ْ
ولتكنْ النوايا دوماً صافية ْ

والإحترامُ بين الأصدقاء ِ
همزة ُ وصل ٍ لدرءْ الجفاءِ

من يتجاوز عتباتْ الإحترام
يضيّعُ من يدهِ الصحبَ الكرامْ

إن استهزأتَ بهمْ أو غاضبتهمْ
فما هُمُ لكَ ولا أنتَ لهمْ

وإن أردتَ دوماً ودَّ الطيبينْ
فكنْ ودوداً واحترمهمْ كلَّ حينْ

العالـَمُ يَغرُسْ بـِِكَ ضَلالـَهُ
ويضعُ في بيدركْ غِلالـَهُ

ويزرَعُ بذورَهُ في حقلِكَ
ويهمُسُ تضليلهُ لعقلِكَ

لكنـَّهُ لن يتكاتفْ معكَ
عندَ الحسابِ مهما كانَ وضْعُكَ

فلا تغال ِ بصديق ٍ زائفِ
مهما رأيتَ فيه من لطائفِ

بل غال ِ بالله الذي أبدَعكَ
ومَنْ إذا ناديتهُ يسمعُكَ

ويأتي للفور ِ إلى نجدتِكَ
ما دمتَ تؤمِنْ أنهُ حصتـُكَ

وانثرْ حبوبَ حُبهِ حيثُ تكونْ
واذكرهُ في المحافل ِ أو في السكونْ

وامش ِ على درب المحبة ْ نحوَهُ
بصحبةِ من يحمل الشوقَ لهُ

واحفظهُ في سِركَ صبحاً مع مساءْ
وارفعْ إليه البصَرَ نحوَ السماءْ

واقض ِ بنخوة ْ حاجة َ المحتاج ِ
فقدْ يكونُ هو من تناجي

يأتيكَ في شكل ِ فقير ٍ مُعدَم ِ
يا ما تزيّا بالرداء الآدمي!

من قالَ هذا وهْمٌ هو الواهمُ
يهذي.. يهذرمْ.. يشخرْ..فهْوَ نائمُ!

لا تتعلقْ بنتائج العملْ
إن التعلـّقَ يجلِبُ شتى العِللْ

ومن يؤدّي واجباً يرتاحُ
حتى إذا أخطأهُ النجاحُ

لا يأسفُ إن أخفقَ في سعيهِ
ما دامَ يؤمنْ في قرارة وعيهِ

إن الحياة َ عِملة ٌ وجهاها
الفوزُ وجهٌ والفشلْ قفاها

فيدركُ استحالة َ فصلْ الفشلْ
عن صنوهِ النجاح ِ في دنيا العملْ

ويرتضي بالواجبِ إنجازا
فالواجبُ المحورُ والركيزة ْ

أما النتيجة ْ فلتكنْ مهما تكنْ
إبقَ كما أنتَ كبيراً.. لا تهُنْ

التجربة ْ قد تـُنهك العزيمة ْ
وتوحي للمُريدِ بالهزيمة ْ

أما إن استجارَ برب البشرْ
ينهزمُ الوسواسُ كلمحْ البصرْ

وترجعُ السكينة ْ للفؤادِ
وتصبحُ الأيامُ كالأعيادِ

اللهُ يفهمْكَ وإن لم يفهَمُكْ
كلُ البشرْ.. يواكبكْ.. يبقى معكْ


يرعاكَ بالعطفِ وبالحنان ِ
ليُشعِرَ قلبَكَ بالأمان ِ

الغيرُ لن يرافقوكَ للأبدْ
ومن يرافِقـْكَ هو المولى السندْ

الأهلُ والأحبابُ مع كل الرعيلْ
لا ينفعوكَ أبداً بعدَ الرحيلْ

قد يذرفوا الدمعَ وقد يفتقدوكْ
وفي التأبين ِ بالعيون ِ يفتدوكْ

لكنَّ بعدَ شهر ٍ أو بعدَ شهورْ
يتابعوا السهراتِ بكل ِ سرورْ

وتصبحُ يا صاحبي صنو الخَيالْ
حتى ولو خطرتَ لهمْ على بالْ

أما الذي يبقى معكْ لا يهجُرَكْ
اللهُ مَن بالبركاتِ يغمُركْ

لم يترككْ في الأرض ِ ولن يترككْ
في عالم الغيبِ هو دوماً معَكْ

فخصّص الوقتَ لهُ تشعرْ بهِ
طوبى لمنْ يفتكرُ بربهِ

وعندما يحينُ موعدُ الفراقْ
تذهبْ على الفور ِ إليهِ باشتياقْ

لا تتحسّرْ ولا تشعرْ بالندمْ
حيثكَ للبقاءِ.. ليسَ للعدمْ

هذه الأرضُ لنا كالمدرسة ْ
رغمَ ما تحويهِ من كل الأسى

نترقى فيها نحوَ الأمثل ِ
لنـُعاينْ بعدها النورَ الجلي

إن كبونا فعلينا بالنهوضْ
مهما كابدنا المتاعِبْ والرضوضْ

وإذا الأشواكُ في الدربِ نمَتْ
وإذا الهمة ُ في السعي خبَتْ

فالحياة ُ فيها شوكٌ وورودْ
وبها التثبيطُ أيضاً والصمودْ

مثلما فيها الشجنْ والإبتسامْ
وارتدادٌ واندفاعٌ للأمامْ

فلنسرْ نحوَ السعادة ْ مسرعينْ
واضعينَ الفكرَ بينَ الحاجبينْ

فالجبينُ مركز الوعي اللطيفْ
هذه المعلومة ْ للشخص الحصيفْ

فاحصرْ الفكرَ بقلبْ الجبهةِ
إن تعطشتَ لشرب الغبطةِ

ولدى النوم ِ وإطباق الجفونْ
حدّق بالظلمة ِ ما خلفَ العيونْ

وعيُكَ يمتدُ نحوَ المُطلق ِ
وبذاتِكْ سوفَ حتماً تلتقي

وارقـُبْ الأنفاسَ شهقاً وزفيرْ
يهدأ القلبُ ويرتاح الضميرْ

واغتمضْ أجفانكَ نصفَ الغموضْ
تنتشي النفسُ وينزاح الغموضْ

خفـّفْ الوجباتِ ما قبلَ المَنامْ
حتى ترتاحَ وتبصرْ في المنامْ

من مَراءٍ مُبهجة ْ للخاطر ِ
وتحسُ بنشاطٍ غامر ِ

وامش ِ يومياً لساعة ْ كاملة ْ
حتى لا تبقى الدماءُ خاملة ْ

وانهضْ عندَ الفجر ِ تشعرْ بالسرورْ
قيلَ أن البركاتِ في البكورْ

وتأملْ خيراً حتى في الوطيسْ
فالتفاؤلْ له فِعلُ المغناطيسْ


يجذبُ الخيرَ كذرّات الحديدْ
التفاؤل ها هنا بيتُ القصيدْ!

وابتسمْ يا صاح في وجه الهمومْ
غيرُ وجهِ الله ِ لا شيءَ يدومْ

ولا تناقشْ ملحداً موهوما
إلا إن كان يبتغي علوما

وصادقاً في طلب الحقيقة ْ
لا ليؤكدْ كـُفرَهُ الصفيقا

فإن وجدتَ فيهِ من إخلاص ِ
فقدْ تساعِدهُ على الخلاص ِ

من قبضةِ الكـُفرْ المقيتْ الخانق ِ
وتعملُ وسيلة ً للخالق ِ

واثبُتْ إذا هبَّ الخداعُ بوجهكَ
ولتستعنْ عليهِ باسم ِ ربكَ

الله غبطة ْ أبدية ْ دائمة ْ
وهو الحكمة ْ في النفوس العالمة ْ

يظـْهرْ أمامَ كل ِ من يهواهُ
ولا يهيمُ بشيءٍ سواهُ

يراهُ نوراً مالئَ الوجودِ
يحسّهُ روحاً بلا قيودِ

يسمَعُهُ كصوتِ أوم الأزلي
فينتشي وبالسرور ِ يمتلي!

والآنَ هيا نضحكْ يا رفاقي
فالضَحكة ُ دواءٌ للخفـّاق ِ

كانَ أبو العزماتْ شرّيباً محترفْ
يجرع ْ كثيراً، من عواقبْ لم يخفْ

وذاتَ يوم ٍ قابـَلَ حكيما
تنسَّمَ من نفحهِ السلاما

فتاهَ باللـُقيا سروراً واعتزمْ
ألا ّ يذوقَ الخمرَ، قالَ للخدمْ:

ضعوا النبيذ َ في سردابٍ مُقفل ِ
وهاكمُ المفتاحَ كـُرمال الولي!

فقط ْ لضيفٍ قدموا السُلافة ْ
بحسبَ ما توحي به الضيافة ْ

(بو العزم) ظلَّ ينعمْ بالسلام ِ
والفرحُ يقطرْ من المسام ِ

بسبب التصميم ِ ضدَ الشربِ
والغبطة ْ في العثور ِ على الدربِ

وفترة ٌ مرّت ولم يشعرْ بها
لجرعة الطلا بأدنى مُشتهى!

فابتسم َ وتمتم َ مؤكدا:
لا عدتُ أحسو المتخمِّر أبدا!

فقد قهرتُ التجربة ْ يا فرحي!
لا من ضميري بعد اليوم ِ أستحي

واستلمَ المفتاحَ للسردابِ
كيما بنفسهْ يسكبْ للصحابِ

وإذ تذوقْ نكهة َ السعادة ْ
قالَ بلغتُ ذروة َ الإرادة ْ

لا حاجة ْ أن أذهبْ دواماً للقبوْ
من أجل جلب الراح ِ كيما يشربوا

سأضعْ القناني في الخِزانة ْ
كونيَ أستمتعُ بالحصانة ْ

ومرَّ أسبوع ٌ ولا أدنى كدرْ
صاحبنا حكَّ رأسهُ ثم افتكرْ:

ما دمتُ أ ُفلتُ من الإغراء ِ
للشربِ إصباحاً مع الإمساء ِ

فلأنظرْ للمشعشعْ في الزجاج ِ
هيهاتِ أن أعلقَ في السياج ِ


وهكذا عبأ َ دورقاً محترما
وبات بالتحديق ِ فيه مغرما

وقال إذ أني حصينُ الأمر ِ
لا بأسَ أن أنشقْ عبيرَ الخمرِ

بعد انقضاءِ مدة ٍ قليلة ْ
جاءَ برأي ٍ - هاكم التفصيلا:

قالَ لأني صرتُ فوقَ المُشتهى
ما عدتُ أخشى الراحَ أو أأبه لها

لكنما دعني أبرهنْ عزمي
بجرعة ٍ أرشفها بفمّي

من ثمَ ألفظها على الفور فلا
تلامسُ جوفيَ ذراتُ الطلا

ففعلَ ما فكـّرَ ثم انتوى
أن يحتسي مما به الكأسْ احتوى

ولم تمرُّ فترة ٌ طويلة ْ
حتى وعادَ مدمناً أصيلا!

سلامة السامع ِ مع القارئ ِ
يحرسُكمْ من كلِّ أمر ٍ طارئ ِ

اجلبْ إلى عالـَمكَ شيئاً جديدْ
وخاطبْ الرحمنَ وانشدْ يا مريدْ:

إنني أدركُ حدساً
أنكَ في الروح ِ تسكنْ

وبطيات الشعور ِ
حبـُكَ القدسيُ يكمُنْ

قد بحثتُ عنكَ دهراً
بين حلم ٍ وطموحْ

ليتني ألقاكَ يوماً
وبأشواقي أبوحْ

فتعالَ من عبير الوردِ
من غور الضميرْ

علني أبصرْ محياكَ
ومن شوقي أطيرْ

أنشدْ لهُ من قلبِكَ نشيدا
مردداً أبياتـِهِ ترديدا..

ما كنتَ يوماً نائيا
يا ساكناً قلبَ الفؤادْ

ما كنتَ يوماً جافيا
يا فيضَ حبٍ معْ ودادْ

هيهاتَ تسلو من لكَ
ومنْ منَ الدنيا اشتكى

عذراً له إذا بكى
شوقاً وأضناهُ السُهادْ!

أنتَ الصديقُ والقريبْ
أنتَ النجيُّ والحبيبْ

الروحُ في قربكْ تطيبْ
وتحرقُ ثوبَ الحِدادْ

في الطفل ِ أبصركَ ملاكْ
تختالُ في أحلى حلاكْ

والشمسُ تروي عن بهاكْ
يا هديَ من رام السدادْ

عن عينيَّ قد تختفي
وبالسكوتِ تكتفي

لكنْ خطايَ تقتفي
وتوري في الليل الزنادْ

أنتَ المغرِّدْ في الطيورْ
أنت العبيرُ في الزهورْ

وهمسة ُ الحبّ الطهورْ
يذيبُ دِفئـُها الجمادْ

أنتَ تسيرُ في الأنامْ
إلى الأعالي والأمامْ

يا حبذا نعطي الزمامْ
لكَ فتبلغنا المرادْ

لكَ المحبة ْ والجميلْ
والشكرُ صُبحاً مع أصيلْ

العينُ من ذكركْ تسيلْ
فيغمر الدمعُ السوادْ

وكنْ جريئاً جرأة الغضنفر ِ
فبرمهنسا أنشدَ في الظـَفـَر ِ:

النجومُ الزُهرُ قد غاصتْ إلى قلب الظلامْ
وكذا شمسُ النهار ِ المُتعبة ليلا ً تنامْ

وافترارُ البدر ِ ولـّى وتلاشى بالتمامْ
وأنا ما زلتُ أمشي واثقاً نحو الأمامْ

ودولابُ الدهر ِ لا يرحمْ ويسحقْ ساخرا
ألفَ شمس ٍ.. ألفَ بدر ٍ.. ألفَ نجمة ْ زاهرة ْ

ألفَ صبح ٍ مُشرق ٍ بالابتسامْ
وأنا ما زلتُ أمشي واثقاًً نحو الأمامْ

فتـّحَ الوردُ للحظة ْ عابرة ْ ثم ذ َبـُلْ
والثمرْ قد أينعَ فصلا ً قصيراً واضمحلْ

ألفَ جبار ٍ عنيدٍ قد غدوا صنوَ العدمْ
وأنا ما زلتُ أخطو واثقاً نحو الأمامْ

حِقـَبُ الدهر ِ تزولُ دونَ أن تتركْ أثرْ
وسهامي نفدتْ وسْط َ الوطيس المستعرْ

والحياة ُ تتحدّى وتلوِّح بالآلامْ
وأنا ما زلتُ أمشي واثقاً نحو الأمامْ

حاولَ الموتُ مع الظلمة ْ وأشباحُ الفشلْ
أن يسدوا الدربَ في وجهي كثيراً كي أضلْ

إنما إيماني لا يخبو بخلا ّق الأنامْ
ولذا أمشي حثيثاً يا رفاقي للأمامْ!


ما أروعَ الحديثَ عن نور العقولْ!
والآن هيا نحتفي بوعي الروح ِ فنقولْ:

يا أيها الوعيُ الذي يحيا بنا وبهِ نعيشْ
أحسـّـكَ في عمقيَّ وصدريَ بكَ يجيشْ

ما أنتَ بالنائي ولا مُنفصلا ً عن مهجتي
وكلما قاربتكَ تزدادُ عمقاً بَهجتي

ما أنتَ إلا ذاتيَّ، ولستَ عني بالغريبْ
لأنكَ تحيا بيَّ كالنسغ ِ في الغصن الرطيبْ

وإذا اقتربتُ خُطوة ً منكَ تجيءُ مهرولا
نحوي لكيما نلتقي وتطيرُ بي نحوَ العُلى

يا وعي يا نبضَ الإله ِ الخافق ِ في ذاتيَّ
أنا لكَ منذ البداية ْ مثلما أنتَ ليَّ

وأراكَ في عين البصيرة ِ ماكثاً دوماً معي
تشدو لي شدواً رخيماً أو تكفكفَ أدمعي

وإذا اكفهرَ الجوُ أو تلبّدَ بالغيومْ
تنثرْ نجومَكَ في سمائي وفي فضائيَ تحومْ

لا لم تغبْ عني ولو لثانية ٍ ولحظة ْ
لأنكَ تغمرني وبالسعادة ِ منكَ أحظى

يا همسة ً أطلقـَها في الكون ِ ربُ العالمين ْ
ونغمة ً عُلـْوية ً فيها الرجاءُ واليقينْ

تشِدُّ دوماً أزرَنا، تأتي بنا إلى الطريقْ
لأنكَ روحُ الوفاء ِ وهل سواكَ من صديقْ!

وأنكَ الدرُ الثمينُ، وإنكَ كنزُ الكنوزْ
من صاحَبكْ يا وعي بالغبطة ْ يفوزْ

رافقتنا منذ ُ الولادة ْ وستبقى معنا للأبدْ
حتى لدى ارتحالنا بأمر الواحدْ الأحدْ

يا وعي يا قـَبـَسَ الضياء ِ ومبعثَ كل الهناءْ
لا العتمة ُ تقدرْ عليكَ ولا يحيقُ بكَ الفناءْ

متِصلٌ أنتَ مع الذي أبدَعكَ من نوره ِ
فيكَ مزاياهُ العظيمة ْ مع بحار ِ سروره ِ

من يطلبُ خبزَ الحياة ِ لقلبه ِ ولعقله ِ
تمنـَحْهُ سؤلَ فؤادهِ، مباركاً بحقله ِ

يا وعي يا صوتَ الضمير الحيّ في الرجل الشريفْ
وخفقة َ الوجدان ِ والتحنان ِ والحس اللطيف ْ

من يعرفكْ لا يعرفُ الخديعة َ والإلتواءْ
لأنكَ روحُ الشهامة ِ والكرامة ِ والإباءْ

من يعرفكْ يمشي بنور الله ِ ليلا ً مع نهارْ
لا يرهبُ قوى الظلام ِ ولا يحيق به الدمارْ

فبكَ يعيشُ الله ُ مع ملائكة ِ السماءْ
وبكَ انطلاقُ النفس ِ الطاهرة ْ نحو العلاءْ

ونورُكَ يهدي إلى الدروب ِ المفضية ْ إلى السلامْ
ومن يعيشُ بنورك َ يأبي التخندقَ في الظلامْ

يا نغمة َ الأمل ِ المشع ِ وهمسة َ الحبْ النقي
في بحركَ تحلو السباحة ُ ومن مياهكَ نستقي

وإنكَ تشعُ مثلَ الراديومْ دونَ انقطاع ْ
ومن يراكَ يبتهجْ ويأمنُ شرَّ الضياع ْ

وتبقى أنتَ الجوهرُ في الكون ِ من دون ِ فناءْ
لأنكَ منبثقٌ عنْ منْ هو روحُ البقاءْ

يا إلهي، يا رفيقي الأبدي
إنكَ أيقظتني بعد الكرى

قد صحوتُ وتلاشتْ غفوتي
أيجوزُ أن أنامَ يا ترى!

إنما عِدني إذا حَلَّ الوسنْ
ستصحّيني بلمح البصر ِ

إن أهوالَ الحياةِ والمحنْ
كـُلـُها زالتْ ولا من أثر ِ

صارَ حزني عبراتٍ في الجفونْ
إنما دمعُ المسرّة ْ والهناءْ


غبطتي تشتعلُ مثل الأتونْ
وبيَّ الأقباسُ تسطعْ بالبهاءْ

وشعاعاتكَ تـُنعشْ فكريَّ
وتـَحِدُ من شرود ٍ أو ركودْ

يا إلهي فتقبّلْ شكريَّ
كونكَ أيقظتني بعد الرقودْ

ها سكوني يشبهُ الأفقْ الرحيبْ
يتمددْ.. ينطلقْ فوقَ الغيومْ

يتوهجْ غبطة ً مثل اللهيبْ
يحرقُ الأحزانَ يجتثَ الهمومْ

ويريحُ النفسَ من عبء التعبْ
ويداوي القلبَ من كل الكلومْ

فإذا ظِلُ الجزَع ْ مني اقتربْ
وإذا أوجستُ آثارَ السمومْ

للسكينة ْ ألتجئ حتى أعبْ
سلسبيلَ النشوة ِ ثم أعومْ

في مياه الأمن ِ في بحر اليقينْ
راجياً عونَ القدير ِ أن يدومْ
وأحسُ قربَهُ يوماً بيوم!

إن تذكـّرتَ الإلهَ في الصباحْ
ولدى الظـُهرِ وإبـّانَ المَساءْ

ستحِسُّ بنشاط ٍ وانشراحْ
وتـُحلـِّقْ كالنسورِ في الفضاءْ

وستـُمضي وقتـَكَ بالإرتياحْ
وتـُزَّفُ كالشذى فوقَ الهواءْ

ثِقـَتـُُكْ بالخالق ِ أمضى سلاحْ
فتدرَّعْ باليقين ِ والرجاءْ

إن طلبتَ اللهَ يُنبوعْ الصلاحْ
تغتني.. بلْ تـُمسي أغنى الأغنياءْ


حِبْ الفضيلة ْ وحدُها طليقة ْ
ما مِن سِواها حرٌ في الخليقة ْ

تـُرشِدُكَ الصعودَ للأعالي
إلى ذرىً أعلى مِنَ الجبال ِ

لو الفضيلة ْ كانتْ يوماً واهنة ْ
لزارها من السما إلهنا!

والإلهُ بلِسانْ الأنبياءْ
قالَ قولا ً فيهِ هَديٌ وضياءْ

إنَّ من يذكـَرني أذكُرُهُ
لا يغِبْ عني ولا عَنهُ أغيبْ

فيراني ماثلا ً في ذاتِهِ
ويحسُّ أنني منهَ قريبْ

ربّاهُ يسِّر وامنحْ النعمة ْ من الكفّ السخي
واشحنْ عزيمة َ راغبٍ في الله كي لا ترتخي

واغمرْ كيانـَهُ يا مولايَ بالضياء المنعش ِ
كيما تقرُّ نفسُهُ ولا تعودُ تختشي

كائنات النور ِ إن كنت ِ عن العين ِ خفية ْ
إنما تعطين َ للقلب ِ سلاماً أبديا

عندما الأجفانُ تدمعْ
وبحس الروح نضرع ْ

عندما الأقدامُ تعثرْ واليقينياتُ تصغرْ
دعنا يا رباهُ نـُبصرْ للشعاعات السنية ْ

نحنُ إذ نمشي بدرب ٍ مُقفرة ْ
ونرى الجوَّ قتيماً مكفهرا

نكبو أحياناً وطوراً نتوجعْ
نتمنى ملجأ ً للنفس ِ فيه تهجعْ

ليتنا إذ ذاكَ نسمعْ
همساتٍ تشجيعية ْ

وعلينا النورُ يطلعْ
من ذرى الروح الخفية ْ

أنتَ يا رباهُ تعلم حالـَنا
وتحقق إحتياجاتٍ لنا

إن تألمنا عليكَ بالعزاءْ
أو تعطـّشنا فلا تحرمنا ماءْ

وإذا الأسقامُ وافتنا تجودُ بالدواءْ
مشكلاتُ الناس ِ يا ربُ كثيرة وعصيّة ْ
إنما الأكبرُ منها رحمة ُ الذات العليّة ْ

عندما نرنو إلى النور البعيدْ
ونحِنُّ للطمأنينة ْ بإيمان ٍ وطيدْ

أعط ِ للروح ِ جناحاً كي تطيرْ
علـّها تدنو من النور ِ وتواً تستنيرْ

وتحسُ الأمنَ يغمُرْها كأمواج المحيط ْ
فتميّز جوهرَ الأشياء ِ من بين الخليط ْ

وتعيشُ العمرَ نشوانة ْ رضيّة ْ
بابتهاجات ٍ عميمة ْ
وسعادة ْ سرمدية ْ

ولنحتفِ قليلا ً بالتجددِ
نستلهمُ الرحمنَ ثم نبتدي:

باركَ اللهُ التجددْ فيهِ معنى الإرتقاءْ
وبهِ الآفاقُ تمتدُ إلى قلب السماءْ

فتصيرُ رؤية ُ المرء ِ مشعة ْ كالضياءْ
بالتجددْ يمعنُ الفكرُ صعوداً للعلاءْ

فبهِ فتحٌ جديدٌ وبه أنجعْ دواءْ
يُفِعمُ النفسَ بتيار المروءةِ والإباءْ

وتصير يقظة ُ الروح ِ وشيكة ْ لا مراءْ
يشحنُ الأعصابَ والهمة ْ بعزم الكهرباءْ

يستحثُ النفسَ كي ترتادَ طيات الهواءْ
يملأ ُ القلبَ بإحساس المحبةِ والوفاءْ

يـُلهمُ الخاطِرَ تفكيراً سليماً واهتداءْ
يقهرُ الخوفَ ويمحقهُ فيغدو كالهباءْ

يفتحُ الأبوابَ نحو الخير ِ من دون ِ عناءْ
ويرشُ الذاتَ أفراحاً كشلالاتِ ماءْ

ويدقُ أوتاداً بأكفان البلادة ِ والغباءْ
ويهبْ للوجهِ هالاتِ التبسم والرضاءْ

ويمزّق حُجُبَ الجهل فنبصر بصفاءْ
ويقولُ ابتهجوا وكونوا سعداءْ
باركَ اللهُ التجدد في الصباح ِ والمساءْ!

وبعد ما احتفينا بالتجددِ
ما رأيكمْ بقصة ْ عن معبدِ؟

شيّدَ البنـَّاءُ يوماً معبدا
أبرزَ فيه ِ مهارة ْ وفنون ْ

وطلا الجدرانَ تبراً فغدا
بهجة َ القلبِ وملتذ العيونْ

وأشادَ الناسُ في فخم البناءْ
مادحينَ السقفَ منهُ والعَمَدْ

قالوا هذا الصرحُ لا يعرفْ فناءْ
هيكلُ الباني يدومُ للأبدْ!

وابتنتْ أمٌ نظيرَ ما أشادْ
قدّت الأحجارَ من قلبٍ رقيقْ

عِوضَ الإبريز ِ جادت بالسوادْ
من عيون العطفِ والحب العميقْ

لم يرَ الناسُ جهوداً أو عناءْ
لم ترَ العينُ بما قامتْ أثرْ

فنبا الشكرانُ عنها والثناءْ
للذي لا يُستبانُ بالنظرْ

معبدُ البنـّاءِ ولىَّ وانهدمْ
وغدا طيفاً بعيداً كالسرابْ

حُسِبَ قد صارَ في طي العدمْ
بعدما أمسى نظيراً للترابْ

هيكلُ الأم ِ يدومُ للدهورْ
لا يدانيهِ فناءٌ أو لحودْ

وهنا المقصودُ من مَعنى السطورْ
معبدُ الطفل المعدُّ للخلودْ!

الرباعيات

والآنَ هذي رباعياتي التي
نظمتها كقطعة ٍ من مهجتي

وضعتُ فيها تجربة ْ ذاتية ْ
رغمَ السنينَ فهي فتية ْ

أهديها من قلبي لكمْ يا صحبي
مع أطيب الأماني ومع حبي..

أي شيءٍ يا تـُرى.. فيهِ توثيقُ العُرى
فيه تأليفُ المشاعِرْ.. فيهِ ربحُ من شرا
ما رأتهُ العينُ يوماً.. بل بهِ القلبُ درى
ذلكَ جذبُ المحبة.. وبعينيها يرى!

***
أي بر ٍ لا يُبارى.. فيه نورٌ ومنارة ْ
فيهِ قِسطاسٌ لقوم .. فيهِ نبراسُ الحيارى
فيهِ تصحيحٌ لنهج ٍ.. فيهِ صحوٌ لسكارى
ذلك كنزُ المحبة.. فلهُ أبغ ِ ادخارا

***
من أرادَ وعظ َ قوم ٍ بعبارات المقال ِ
وارتضى باللفظ ِ نصحاً دونَ تأكيد الفعال ِ
وعظـُه ُ لا يُجدي نفعاً كالمياهِ في السلال ِ
لا إلى الأقوال ِ يُنظرْ بل للقدوة ْ والمثال ِ!

***
يا طويلَ العمر ِِ لا تنظرْ سوى حُسن البديعْ
في الزهور ِ والطيور وبأجفان الرضيعْ
وبنفح الروض ِ في فصل الربيعْ
وبشكر القلب ِ مغسولا ً برقراق الدموع ْ
***
في غصون الغار ِ يَهمسْ وبطلعْ الأقحوانْ
وبود الجار ِ نلمسْ عَطفـَهُ الضافي الحنانْ
ليتنا نصبو إليهِ طولَ أيام الزمانْ
فنرى الفردوسَ في الأرض ِ ونحيا في أمان

***
مَنْ يَقـُلْ نحنُ بعصر ٍ يؤمِنُ بالمَعمل ِ
وبكل ِ ما للحسِّ والتجريب ِ يخضعْ من عل ِ
إنما المخبَرُ يُخبر.. وببرهان ٍ جلي
أنهُ من خلق ِ عقل المرءِ مخلوق العلي

***
أو يَقـُلْ لسنا بحاجة ْ لخواطرْ فائقة ْ
حَسبُنا المنظورُ يحوي كلَّ حِجة صادقة ْ
ربما المرئيُ باتَ حاجزاً أو عائقا
إن حسِبناهُ عتيداً، سرمدياً خالقا!

***
يا نزيلَ الأرض ِ لا تأملْ خلوداً في الخواءْ
هذه الدنيا وما فيها أخيراً للفناءْ
جسدٌ منكَ وحسبُ صيغَ من طين ٍ وماءْ
إنما والحق ِ جئتَ أنتَ من قلب السماءْ

***
كنتَ بالأمس ِ ملاكاً يتماوجْ في الفضا
يعرفُ الحاضرَ والآتي وكلَ ما مضى
يـُبصرُ الأنوارَ، يسطعْ، من محياه الرضا
يستقي من سلسبيل ٍ لا يدانيهِ اللظى

***
لم يكنْ حدٌ ليفصُلْ بينـَكَ والمُبدع ِ
لم يكنْ حزنٌ ليترع ْ عينـَكَ بالأدمع ِ
ما عرفتَ الغمَّ والهمَّ ولا كنتَ تعي
غير ديمومةِ للغبطة ْ يُلازمها الوعي

***

من ديار الخلدِ جئتَ وهجعتَ في الهشيمْ
ونسيتَ المنزلَ الأعلى وفردوسَ النعيمْ
خِلتَ أن كلَّ ما فيكَ نهايتهُ رميمْ
ليتك تدركُ أنَ جوهرَ الروح ِ سليمْ!

***
من وراء الغيم ِ ترنو، تبتغي رؤيا الضياءْ
وتعاني ثم تعنو، طالباً بعض الدواءْ
فيكَ، في أعماق ذاتِكْ، كلُ إكسير الشفاءْ
إن تيقنتَ بأن اللهَ والنفسَ سواءْ

***
غـَذ ِّ في النفس اشتياقاً إلى ما فوقَ النجومْ
واملأ القلبَ حنيناً تنتفي منه الهمومْ
وتأكـَّدْ أنا ما في الكون من شيءٍ يدومْ
إلا خلا ّقُ البرايا، مُنتهى كل العلومْ

***
قد رأيتُ الناسَ في نأي ٍ عن الكنزْ الفريدْ
بل رأيتُ الناسَ يشكونَ من المُرّ المبيدْ
إن تقلْ هذا رحيقٌ.. قالوا: زقومٌ صديدْ
أو تقلْ هذا زعافٌ.. قالوا: بل شهدٌ أكيد!

***
هل غدا الشرُ شراباً مستساغاً يُحتسى؟
أبغبِ الراح ِ مَنجىً من هموم ٍ وأسى؟
أم بتفكير ٍ منير ٍ في صباح ٍ ومسا؟
في التأملاتِ جُرعة ْ عذبُها لا يُنتسى!

***
يا رفاقَ الدرب ِ غوصوا في محيطات المعارفْ
وذروا قالا ً وقلنا للذي يهوى السفاسفْ
كونوا عنوانَ المفاخرْ.. سارعوا نحو المشارفْ
بددوا شملَ التناحرْ.. بالتلاطفْ والتعاطفْ

***

يا مثالَ الخير ِ كن شخصاً لمجموع الفضائلْ
وليكنْ قلبُكَ بحراً يحتوي أندى الشمائلْ
وتصبّرْ في الشدائدْ وتبصّرْ في المسائلْ
وتبسّم إنما البسمة ُ عنوان التفاؤلْ

***
لا منَ اللذاتِ نروي كلَّ شوق ٍ للقلبْ
إن فعلنا قد سكبنا الزيتَ ما فوقَ اللهبْ
وانتفى منا طموحٌ وتملـّكنا التعبْ
والهـِمم تمسي رماداً لا كنيران الحطبْ

***
في جمال الله نـُرضي كلَّ ميلٍ للفؤادْ
في التلال ِ في السهول ِ في الحقول ِ في الوهادْ
في القناعة ْ في الوداعة ْ في التأمُلْ بانفرادْ
في الوفاءِ في الرضاءِ في المحبة ْ للعبادْ

***
كلَ يوم ٍ فيهِ ندنو من وداع ٍ ورحيلْ
عظة ٌ مرسومة ْ للناس ِ بألوان الأصيلْ
وبأوراق الخريف ِ وبأنفاس العليلْ
مثلما كانوا وبانوا، سوفَ نهجر الطلولْ

***
بانفرادٍ قد أتينا وسنذهبْ بانفرادْ
فلِمَ نصرفُ كلَ الوقتِ ما بين العبادْ؟
دعنا ندخلْ مَقدَسَ الروح إذا رمنا السدادْ
فتباركنا السماءُ ويدانينا المرادْ

***
لا تسِرْ دربَ الجموع ِ، لا تسلْ رأيَ الجماعة ْ
بل ترقـّبْ للشعاع ِ يأتي مع صِدق الضراعة ْ
لإلهٍ غير لاهٍ ، يتهللْ للوداعة ْ
ولنفس ٍ تؤمنُ بالخلدِ حساً وسماعا

***

لا منَ الصمّاء نغرف بل من الطامي الغزيرْ
ومن الكرمة ِ نقطـُف، ليسَ من شوكٍ مريرْ
صخرة ُ الأوهام ترسُبْ، وكذا الشوكُ يطيرْ
في التأملْ نتوصلْ إلى أقداس الأمورْ

***
من نِقاط الغيثِ تزهو الأرضُ بالنبتْ النضيرْ
وكذا الأنهارُ تجري ملأى بالماء النـَميرْ
قطرة ُ خير ٍ وأخرى، تملأ ُ النفسَ بنورْ
إن صنعنا البـِرَ سِراً نبني بيتاً في الأثيرْ

***
ليسَ في الدنيا تشابُهْ بين ذاتٍ وسواها
حكمة ٌ للهِ لا تـُدركْ ولا يُعرفْ مداها
فتفرّد بمناقبْ قلما غيرُكْ حواها
وتجردْ عن شوائبْ لا تسِرُ من رآها

***
هو ذا البَدرُ يبزُّ كل لألاء النجومْ
وشعاعُ الشمس ِ يسطعْ فوق أكداس الغيومْ
ليتنا نمسي شموساً تمحي ديجورَ الظلامْ
حبذا نغدو دروساً في المحبة والسلامْ

***
عُد إلى قلب الحياة ِ وارتشفْ عذبَ السرورْ
وانشدْ النشوة ْ بقلبٍ قوتـُهُ قدس الأمورْ
إن تفكرتَ بروح ٍ وصفا فيكَ الشعورْ
لا إلى لحدٍ تصيرُ، بل إلى أمن ٍ ونورْ

***
ما تقولُ مبعث السحرِ بأشخاص الأنامْ؟
لا منَ الأجسام ِ تهوي إثر داء ٍ واصطدامْ
بل من الأرواح تزخرْ بودادٍ ووئامْ
عاشِقُ الأجسام ِ يُخفِقْ، لا يدانيه المرامْ

***

مثلما تسري العُصارة ْ بين ألياف النباتْ
وتخضبها اخضرارا فيه أسرار الحياة ْ
هكذا الروحُ يلوحُ في رسوم الكائناتْ
فبه الإنسانُ يحيا قبلَ أو بعدَ الممات

***
التحرُّقْ سيولـِّد الولـَّعْ
والولـَّعْ يُفضي لرغبة بامتلاكْ
ثم يأتي بعد هذا الإشتهاءْ
والهوَسْ ثمَّ الغضبْ ثمَ الهلاكْ

***
بالسكينة ْ يتبددْ حُزنـُكَ
ويزولُ العبءُ عن كاهِلِكَ
ومتى قلبـُكَ لاقى راحة ً
فلكَ الحكمة ُ والحكمة ْ لكَ

***
إنما لا حِكمة ْ من دون انسجامْ
لا تأمُلْ دونَ عقلٍ متزنْ
لا سلامَ دونَ تفكيرٍ سليمْ
والفرحْ لا يأتي من غيرِ سلامْ

***
عندما الفكرُ يهروِّلْ مُسرعا
خلفَ أهواء الحواس العاتية ْ
تـَلعبُ الأهواءُ بالحِكمة ْ كما
تقذفُ الريحُ بأوراق الخريفْ
(فيصيرُ عندها العقلُ خفيفْ)

***
إنَّ من يصبو لإشراقٍ سعيدْ
يترفـّع عن هيام ٍ بالحواسْ
هذا ما يعرفهُ كلُ مريد
إذ يُثابُ بنعيم ٍ لا يُقاس

***

هادئ النفس ِ يرى نورَ الإلهْ
رغمَ أن الناسَ في ليلٍ بهيمْ
والذي يحسُبهُ الناسُ نهارا
هو ليلٌ وظلامٌ للحكيمْ

***
مثلما الماءُ يصبُّ في المحيط ْ
والمحيط ُ لا يفيضُ ماؤهُ
هكذا يبقى الحكيمُ راسخاً
في سلام ٍ دائم ٍ لا يأبَهُ
مهما دقـَّتْ رغباتٌ بابَهُ

***
إن من يهجُرَ كلَّ الرغباتْ
والتملـُّكْ والصلفْ والكبرياءْ
سوفُ يحظى ببلوغ الأمنياتْ
ومباهجْ ما لها من إنتهاءْ

***
إن روحَ الربِّ قصدُ الكائناتْ
عندما يُبلـَغُ يرتاحُ الفؤادْ
حتى في آخر ِ ساعات الحياة ْ
يمكنُ للمَرءِ إدراكَ المرادْ
ويصلْ للمصدرِ نبع السلامْ

***
إن دربين ِ يقودا للكمالْ
ها هنا الآنَ كما في السابق ِ
دربُ حكمة ْ وكذا دربُ اشتغالْ
خدمة ً للناس ِ أو للخالِق ِ

***
إن إنساناً حكيماً يتحكـَّمْ بقواهْ
دونَ قيدٍ وارتباط ٍ بمتاهات الحياهْ
يَعرفُ كيفَ يسيّرْ.. كلَّ طاقاتٍ لديهِ
رأيُهُ رأيٌ سليمٌ.. يُركـَن دوماً إليهِ
***
كم يلجُّ الشوقُ فينا لارتيادٍ وارتشافْ
ونرى في الحس ِ سقياً يدفعُ يَبسَ الجفافْ
منه نـُتخمْ ثم نـَسقم، إذ يمازجهُ زعافْ
أنتَ روحٌ وشرابُ الروح ِ أنقى من سُلافْ

***
مَخمصة ْ في النفس ِ تكمُنْ زادُها خبزُ الوجودْ
وأوارٌ لا يُروّى إلا من ماء الخلودْ
أنهُر الترياق ِ تجري، دونها تهوي السدودْ
هذه الخيراتُ مبذولة ْ فدعكَ من صدودْ!

***
عن مسار النور ِ لا تبعُدْ وإن عزَّ الرفيقْ
تابـِعْ السيرَ صديقي حتى منتهى الطريقْ
كلُ من يسلكَ يُدركْ ومن الحلم ِ يفيقْ
فيرى شمسَ الحقيقة ْ، ويعاينَ الشروقْ

***
قوّتان ِ في الوجودِ في اعتراكٍٍ واصطراع ْ
مطمحُ الأولى رشادٌ، مطمعُ الأخرى ضياع ْ
فالرشادُ للمريدِ كوكبٌ يَهدي الشراع ْ
والضياعُ للجموع ِ يوردَ الحتفَ المريعْ

***
فتحالفْ مع قوى النور ِ ولا تهوَ الدُجى
إن بالحق الترقـّي مع كمال ٍ للحِجى
وثمارُ الشر ِ تفري ويعزُّ المُرتجى
أو هي العَلقمُ يُلقـَمْ، قلَّ من مِنهُ نجا!

***
وتدرَّعْ بيقين ٍ دونـَهُ ثبْتُ الجبال ِ
فالثقة ْ تـَبني بيوتاً فوقَ صخر ٍ لا رمال ِ
فإذا الأنواءُ هبّتْ وطغى مَدُّ السيول ِ
تبقى البيوتُ وطيدة ْ، آمنة ْ شرَّ الزوال ِ

***

كلُ يوم ٍ فيهِ نهجٌ ومجالٌ ومدى
والدُجى يتلوهُ وهجٌ فيه دِفءٌ وهدى
فتعزَّ إن كبوتَ وتوجّستَ الردى
من جديدٍ أنتَ تحيا كلما الفجرُ بدا

***

إن لكَ لاحَ الحبوط ُ بوشاح ٍ أسودِ
أبو بكَ راحَ القنوط ُ يُطفئْ نورَ المعبدِ
فتذكرْ أن ليلاً لن يدومَ لغدِ
إن تجلـّدتَ وجدتَ والتمستَ تهتدِ

***
فتفكرْ وتذكرْ وادخرْ حُسنَ العملْ
وتأملْ وتعللْ بشفاءٍ للعللْ
وتشددْ وتجلـّدْ وامتطِ جُنحَ الأملْ
فيطيبُ القلبُ منكَ والجراحُ تندملْ

***
إنما الأفكارُ بذرٌ لا يعتـّمْ أن يفرّخْ
وفروعُ النبتِ تـُثمِرْ، وفروخُ الزرع ترسخْ
فبذور الشر ِ افن ِ، وجذوع الإثم اشدخْ
وصروح الخير ِ ابن ِ، فصروحُ الخير تشمخْ

***
فكرة ُ الخير ِ شُموسٌ تـُظهرُ وجَه العلي
وبها الفردوسُ يبدو لذوي الرؤيا جلي
قرة ُ عين النبيينَ ومحبوب الولي
من به تحيا دواماً، من نعيم ٍ يمتلي

***
أن قلبَ اللهِ يُفتـَحْ لوديع ٍ وعفيفْ
ففؤادُ الطهر ِ يسري فيه تيارٌ لطيفْ
كلُ ما يصدرُ عن فكر ٍ نقي ٍ ونظيفْ
يتسامى نحو بـُعدٍ، عالي الذروة ْ مُنيفْ

***

هو ينبوعُ الأماني.. ومن الوجدان ِ دان ِ
وصنائعُ يديه ِ بادياتٌ للعيان ِ
يشتهي ودَّ الفؤاد ِ فوقَ تمجيد اللسان ِ
ويقولُ بالمحبة ْ تلتقيني وتراني

***
عجباً ممن يقولُ مُنتهانا للـّحودْ
ليتَ أفكارَ الفناءِ في العقول ِ لا تسودْ
مثلما الأغصانُ تـُزهرْ بعدَ ثلج ٍ وبرودْ
هكذا الإنسانُ يحيا رغم توسيد اللحودْ

***

لا إلى حتفٍ نؤولُ حسبَ تقدير الجَهول ِ
فشعاع النفس ِ لا يَخمُد وإن ماتَ الهيولي
جوهرُ الأزهار ِ مخزونٌ بألياف الأصول ِ
نحنُ نحيا بعدما الجسمُ يصيرُ للزوال ِ

***
حبذا الأقوالُ لو جاءتْ كمخزون الصدورْ
مرحى للإحساس ِ في الناس ِ إذا حاكى العبيرْ
بوركَ الشهمُ وقد أهدى إلى الناس السرورْ
فلهُ في النفس ِ تهليلٌ وتبجيلٌ كبيرْ!

***
قد يحبط المسعى مراراً إنما
ما من مصيبة ْ كاعترافٍ بالفشلْ

لا عيبََ في الإخفاق ِ بل في الكفِّ عن
بذل الجهودِ والرقودِ والمللْ

فإذا طمحتمْ للمعالي فاذكروا
أن النجاحَ في العزيمةِ والأملْ

وإذا بلغتم قمة ً لا تحسبوا
أن المشارفَ حدّها أوجُ الجبلْ

لا حد للكون ِ ومن رامَ العلى
فليعرف الكونَ وباريهِ الأجلّْ!

في رحاب الروح ِ نكسبْ حكمة ً تـُغني العقولْ
تنفرُ من حِدّة الضوضاءْ.. من هرج الرعيلْ
ومن الإكثار ِ من هذر ٍ ومن قيل ٍ وقالْ
ومن الجَهل ِ وقد باتَ عدواً للكمالْ

***
لقد رأيتُ الكثيرَ في الحياة ِ ولمْ
يَلِجْ فؤاديَ مثلَ شهم ٍ مسامح ِ
تراهُ حَليماً يعمرُ الحبُ قلبَهُ
ومنزلهُ في الناس ِ بينَ الجوانح ِ

***
فوقَ جسر الصفح ِ نَعبُرْ لنفوزَ بالنعيمْ
فحريٌّ أن يظلَ الجسرُ في وضع ٍ سليمْ
بوركَ المَعْبَرُ ينقلنا إلى برّ السلامْ
إن تهدَّمْ نتندمْ، ونرى قبحَ الجحيمْ

***
صاح ِ ما عشنا حَذار ِ من رداءٍ للتظاهرْ
يَحجُبُ إشعاعَ نور ٍ، يبرزُ ما في السرائرْ
أيُ شخص ٍ يرتديهِ، هو بالتأكيدِ سافرْ
كلُ من يهوى التصنـُّعْ، إنما للكشف ِ صائِرْ!

***
مُذ ْ جفا اللهَ ابنُ آدمْ، وأطاعَ الكبرياءْ
واحتسَبْ مخزونَ علمِهْ، يحوي من ألفٍ لياءْ
قد غدا جوّابَ قفر ٍ ومن النعمة ْ براءْ
سائراً إن لم يجاف ِ ما أطاعَ للوراءْ

***
بالدمع ِ تـُبصَرُ آفاقٌ مرصَّعة ٌ
تزري بدر ٍ وياقوت ٍ ومرجان ِ
والعينُ تكسبُ صفواً إن هي ذرَفتْ
والقلبُ يُغسَلُ من غث ٍ وأدران ِ

إذا في عينكَ جالَ ذوبُ الشوق ِ والودِ
وإن أترعتَ خافقكَ بالإخلاص للعهدِ
بكَ تبزغ ْ أحاسيسٌ فوقَ الحصر ِ والعد ِ
وتشرقْ فيكَ أنوارٌ تـُبددْ ظلمة َ الضدِ
وتملكْ كوكبَ السعدِ

***

خيرَ ما تعطي السماءُ لنا في الأرض الصديقْ
فيهِ حبُّ اللهِ والمعنى العميقْ
وجمالات المحبة ْ وشذا الود العبيقْ
فعنْ الأصحاب فتش بالسراج ِ في الطريقْ!

***
لا يَبزُ نـَفحَ طِيبٍ غيرُ معطار المناقبْ
واتضاعُ القلبِ يُبلِغ ْ صاحبهْ أعلى المراتبْ
ورضيّ الخلق ِ يرضى، لا تكدرهُ المصائبْ
من حوى هذي المزايا ينجو من ناب النوائبْ!

***
إن تعشقتَ ارتيادَ الحق ِ عذب المنهل ِ
وسما شوقُ الفؤادِ لبلوغ الموئل ِ
فبمرقاة المبادئْ أوجَ عز ٍ تعتلي
مبدأ ُ الإخلاص ِ نهجٌ وبه ِ وهجٌ جلي

***
وإذا رمتَ ابتهالاً جافِ تفخيمَ العبارة ْ
فدعاءٌ مثل هذا حاشا أن يبلـُغ قرارا
همسة ُ الوجدان ِ فيها كلُ معنىً وإشارة ْ
فبنـُطق القلبِ نـُسمِعْ، لا بحذق ٍ أو مهارة ْ

***
وكبلـّور ٍ شفيفٍ ينفذ ُ منهُ الضياءْ
فلتكُ نفسُكَ مرآة ً صقيلة ْ بصفاءْ
تعكسُ نورَ القدير ِ مثلَ صفحة السماءْ
وتشعُ منها أقباسٌ صباحاً مع مساءْ
***
مرحى للمخلص ِ فكراً، مع فِعال ٍ وكلامْ
يتمنى الخيرَ والأمنَ لمجموع الأنامْ
يزرعُ أغراسَ حُب ٍ وتآلفْ ووئامْ
تثمرُ دوماً مسرّاتٍ وبَهجة ْ وانسجامْ

***
كنْ كزهر الروض ِ لا ينفـَحْ سوى عذب الأريجْ
ينعشُ الذوقَ بعطرهْ وبمرآه البهيجْ
يُسعدُ الأبصارَ مرآهُ المرصِّع للمروجْ
دونَ إعلام ٍ وإعلان ٍ بطبل ٍ أو صنوجْ!

***
إنما الأزهارُ توحي بنظام ٍ واتساقْ
وبوعي ٍ وبروح ٍ وبألغاز ٍ تـُساقْ
للعقول ِ كيما تصحو، ومن الغفلة ْ تفيقْ
لترى من قد برا، وبتكريم ٍ حقيقْ

***
هلْ نظرتَ الشمعة ْ تفنى، كي تنيرَ الآخرينْ؟
وتذوبُ وتسحُّ دمْعَها الصافي السخينْ!
بوركَ شمعُ التفاني، وكذا دمعُ الحنينْ
وفؤادُ المرءِ إن أعطى وجادَ بالثمينْ

***
هل رأيتَ البرتقالة ْ تكنزُ حلوَ الشرابْ؟
وتجودُ بالرحيق ِ رغمَ تمزيق الإهاب!
جُد بسيّال العذوبة ْ إن تذوّقت العذابْ
فعطاءُ الصفح ِ يرفعْ إلى ما فوق السحابْ
***
إن من رامَ العطاءَ فالمثالُ في الشجرْ
يمنحُ الظلَّ الظليلَ ويجودُ بالثمرْ
فإذا الأغصانُ قـُدّتْ، وإذا الجذعُ نـُشِرْ
لا يكفُّ عن عطاءٍ بسخاءٍ للبشرْ

***
هلْ رأيتَ الحبّة ْ تهجَعْ تحت طيات الثرى؟
ورأيتَ القلبَ منها يمسي قوتاً للورى!
إن من كانَ لغيرهْ، لا يسيرُ القهقرى
بل إلى الأفلاك ِ يسمو، وضيا اللهِ يرى

***
وكذا النحلة ُ تقصدْ، أحلى أزهار الربيعْ
ترتشفْ منها رحيقاً تدّخرهُ للجميعْ
إن من يعطي طعاماً للجياع ِ لا يجوع ْ
بل من الخيرات ِ يُملأ، ببركات البديعْ

***
ما خُلقنا للتعبّدْ لمفاهيمَ ذوَتْ
وعفا الدهرُ عليها، واضمحلـّتْ إذ هَوَتْ
قيمة ُ الإنسان ِ لا تـُعدَمْ إذا الذِمة ْ صَفـَتْ
فمقاسُ الفضل ِ مقرونٌ بما النية ْ حَوَتْ

***
بسلام الروح ِ يحظى مُكرمُ صوت الضميرْ
فمن الوجدان ِ يحكي بارئ الكون ِ القديرْ
تارة ً صمتاً ينادينا وطوراً كالهديرْ
إن سمعنا وشرعنا بالمثول ِ نستنيرْ

***
في سلام القلبِ نلتذ ُ بمصداق اليقينْ
وبصوت الحقِّ يهدينا إلى النهج الأمينْ
وبنا يسري شعورٌ فيهِ شوقٌ وحنينْ
ولنا تـُعطى كنوزُ الفهم ِ والفكر الرزينْ

***
لي بمدح الأم ِ رأيٌ غزُرَت فيه المعاني
وحوى فيه كنوزاً وحلـَتْ فيهِ الأماني
أعذبُ الأصواتِ عندي ليس رنـّات اليماني
بل نداء القلبِ متبوعاً بلفتاتْ الحنان ِ

***

من تراهُ يُغرقُ الإنسانَ في بحر الودادْ؟
من تراهُ يُغدقُ التحنانَ في جودٍ فريدْ؟
من لهُ القدرة ْ على فتح ِ مغاليق الفؤادْ؟
نائبُ الرحمةِ والرحمن ِ ما بينَ العبادْ!

***
كلُ إنسان ٍ لديهِ عَملٌ فيهِ مُناط ْ
واجبٌ كالفرض ِ بالإنجازِ يُفضي للصراط ْ
ويهـِبْ للمرءِ طعمَ البهجة ِ والإغتباط ْ
فإذا أ ُهمِلَ أو مُلَّ فلسعٌ كالسياط ْ

***
إننا ننمو ونسمو باحترام الواجب ِ
والتعمّقْ في التأمُّلْ.. وبفكر ٍ ثاقبِ
وبتقدير ٍ وتقديس ٍ لإسم الواهبِ
وبتعزيز اليقين ِ في فؤاد الراغبِ

***
إني أشجبُ التزمُتْ، والتعصُّبْ والتطرّفْ
وكذا أنعي التأخُّرْ، والتخاذلْ والتخلفْ
بالتظلـُّمْ لستُ أؤمن.. بالتقاعسْ.. بالتأففْ
بل بإيجابٍ وإعجابٍ بكل ِ ما يشرّفْ

***
قد يقولُ البعضُ دعْكَ من تعهدْ بالتزامْ
واطلقْ النفسَ لتـُعربْ عن مرام ٍ وغرامْ
إنما الترخيصُ عجزٌ وتغاض ٍ عن مَهامْ
وهو خِلٌ مخاتلْ، من يصاحِبهُ يُلامْ

***
ليسَ التحررُ من غلٍّ يخلـّصنا
من القيودِ إذا لازمنا ديجورا
فالحرُ يأبى ظلاماً في سجيته ِ
ويكرمُ الخيرَ والإلهامَ والنورا

***

حافزُ الشرِّ كديجور ٍ به قـُبحُ المغبة ْ
أو كبئر ٍ من زعاف ٍ يصرعُ من منه عبَّ
والذي يهوى ارتيادَهْ يزدري قـُدساً وربَّا
إن هو يمضغُ قِشراً، يحسب الممضوغَ لـُبّا

***
مثلما للخير ِ جندٌ ها هنا أو في الأثيرْ
هكذا للشر ِ بندٌ مع فيالقْ ونفيرْ
إنما خذها يقيناً من بصير ٍ بالأمورْ
راية ُُالحق ِ ترفرفْ أبداً دهر الدهورْ

***
قد يجيءُ الزيغُ مُلتفاً بأثواب الصَلاحْ
ويَوَدُّ لو بهِ أبصرنا إشراقَ الصباحْ
لسنا للمظهر ِ ننظرْ بل إلى المعنى الصحيحْ
خلفَ منطوق العِبارة ْ.. وراءَ اللفظ الفصيحْ

***
إن تعمقنا بفكر ٍ وتأملنا الأمورْ
وتبصّرنا القضايا فيما لا تحوي السطورْ
لترنـَّحنا اندهاشاً، مثلَ من عبَّ الخمورْ
ولأدركنا المدبِّر في سياحات الشعورْ

***
هو دمعُ الشوق ِ يُسفـَحْ، ولخير الكل يفرحْ
ولصحو الناس يصبو، ولبؤس المَرء يترَحْ
يسكنُ القلبَ فإن زاغ َ عن الإخلاص ِ يَبرحْ
اصرفْ الأيامَ في التفكير ِ بالمقصودِ تربح

***
ألِقمع ٍ دقَ حجماً أن يقيسَ الأوقيانوسْ؟
أنشبِّهْْ وهجَ شمس ٍ بشعاع ٍ من فانوس؟
كن محيطاً لا يُحاطُ يعكسُ شمسَ الشموسْ
لا تقلْ أيامي تمضي وأصيرُ للرموسْ

***

إنما الكونُ وما فيهِ ظِلالٌ ورسومْ
من هلال ٍ وتلالٍ ورمالٍ ونجومْ
تتلاشى إثرَ دور ٍ مثلما تجلو الغيومْ
بينما الرسامُ يَخـْلـُدْ: جَهبذُ الفن العظيمْ

***
أيُ خيرٍ من تشاؤمْ وتجهّمْ وضَجّرْ
وتبرُّم وتألـُّمْ من حماقات البشرْ؟
دعنا نبسُمْ.. دعنا نحسُمْ.. كلَّ أسباب الكدرْ
صورة ُ الرحمن ِ فينا.. وهي خيرُ الصورْ

***
قيلَ لي أن أناساً يهزؤونَ بالحقائقْ
ويودوا لو بدرب العارف ِ ألقوا العوائقْ
هل خبا فيهم ضياءٌ وانتفتْ منهم بوارقْ؟!
لو بعين الفـَهم جالوا لرؤوا ربَّ الخلائقْ

***

ذكرياتُ الأمس ِ في الروح ِ سَرَتْ
فأثارتْ في الفؤادِ شجنا

ثم أمستْ قطراتٍ فجَرتْ
مثلَ دمع الغيثِ زارَ السوسنا


لا ترهبنَ اضطلاعاً بالمهام ِ وكـُنْ
كالبحرِ يزخرُ بالأمواه ِ والدرر ِ

وكـُنْ سهولا ً بها رَحبٌ ومُنفسَحٌ
وركنَ عز ٍ يجيرُ الناسَ من خطر ِ

ما حطـَّمَ الناسَ إلا المالُ والطمعُ
وحبُ ذاتٍ ولؤمٌ، أيضاً الجشعُ

أصنامُ وهم ٍ تـُشادُ ثمَ تنهدمُ
وظِلُ ماءٍ إذا ما جيءَ يمتنعُ


إن الفضائلَ لا تـُحصى بجملتها
لأن أصلـَها في الوهّابِ مقرونُ

لكنَ أمراً يلخـّصْها ويشمُلـُها
عرفانُ فضل ٍ وقد آواهُ وجدانُ

إن الثراءَ يُقاسُ بالشعور ِ فإنْ
شعرنا حقاً ملكنا منجمَ ماس ِ

وإن عجزنا عن الإحساس ِ لا عجباً
إن كنا صفراً ولو وعظنا بالناس ِ

يا نفسُ صبراً على الأحداث ِ وابتسمي
ولا يهمّكِ ما قد قيلَ أو شاعا

كم حاولَ الليلُ أن يخفي تألقك ِ
فزدتِ في العتمة ِ الظلماءِ إشعاعا!

لا تأمننَ صديقاً كانَ قد صَحِبَ
إثنين قبلـَكَ ثمَ عليهما انقلـَبَ

تأبى الشهامة ُ أن تأوي لخافقهِ
ما دامَ يضمرُ غِشاً أو يـَقـُل كذِبا

وإن عثرتَ على المخلِصْ فأنتَ به ِ
أغنى بذمتي ممن كدَّس الذهبا

لا يقذفُ الناسَ بالحجارة ْ من سكنَ
بيتَ الزجاج ِ وإلا حطـّمَ السكنا

ومن يعاينُ عيباً في الأنام ِ يروا
فيه ِ المعايبَ والأوضارَ والدرنا

إشراقة ُ الروح ِ كم أصبو لمنهلك ِ
وكمْ أعللُ في لقياك ِ أيامي!

يهفو الفؤادُ إليكِ حينَ أذكرك ِ
وترتجي النفسُ مرأى وجهك ِ السامي

أنتِ التحررُ من هم ٍ ومن جزَع ٍ
ومن ظلام ٍ ومن خوفٍ وآلام ِ

لا زلتُ أرنو إليكِ والحنينُ غدا
كجارف السيل ِ ينشدْ بحرك ِ الطامي

***
لو أنني سئلتُ عن ماهية الخلاق
وقيلَ أيَ مظهر ٍ تختار أو تشتاق؟

ألفيتني أرنو إلى الفضاءْ
مفتشاً عن وجهه الوضّاءْ

كي آتي بالجوابْ.. أخالهُ اللـُبابْ
أستوحيَ الضميرْ..أغوص في التفكيرْ

لعلني للحلِّ أهتدي وأجتني السدادْ
وأضع العمادْ لمنهج ٍ فريدْ!

يوحي لي الوجدانْ عن مظهر الديّانْ
بأنه الحبُ الذي في قلبه ِ الأمانْ

والعطفُ والتحنانْ
لكائن ٍ من كان

برمهنسيات
(النشوة الكونية)
قد تلاشتْ حُجُبُ النورِ كما
ولـّتْ الأحزانُ والظِلُ اختفى

ومضى الفجرُ وإشعاعُ المُنى
وسرابُ الحس ِ ولىَّ وانتفى

فالمحبة ْ والكراهية ْ على
شاشة الأضدادِ أمستْ كالعدمْ

وكذا العيشُ أو الموتُ ولا
من أثر ٍ لعافية ْ أو للسقمْ

موجُ ضحكٍ من شعوري برحَ
حاملا ً أصدافَ هُزءٍ وعبثْ

هذي ذابتْ وشعرتُ الفرحَ
يغرقُ الحزنَ، وما الغمُ لبثْ

صولجانُ الفطنةِ الكبرى لمسْ
نوءَ وهم ٍ فعلى الفور ِ هجَعْ

بيدَ أنَ الكونَ كانَ يختلسْ
فرصة ً كي يغزو وعيي المتسعْ

إني أحيا خارجَ الظل المديدْ
ذاكَ ظلٌ ما لهُ عني انفصالْ

مثلما البحرُ بلا موج ٍ يميدْ
إنما الموجُ بلا بحر ٍ محالْ

ذابتْ الأحلامُ واليقظة ْ كما
أقلعَ الإغراقُ ذو البُعدْ العميقْ

حاضرٌ مع ماضي عهدٍ هُدِمَ
ومن المستقبل ِ زالَ البريقْ

حيثني الموجودُ في كل ِ مكانْ
دائمُ اليقظة ِ حيٌّ للأبدْ

متدفقْ من مسامات الزمانْ
خلفَ منظور ٍ هنا أو في الجَلـَدْ

قد رشفتُ وابتلعتُ الأنجُما
والنيازكْ والكواكِبْ والشموسْ

وانفجارات ٍ بأرض ٍ وسما
وسيولَ الحشر ِ ما بعدَ الرموسْ

وكذا الأنهارَ: أنهارُ السكونْ
وبراكينَ الضياء المتقدْ

وخواطرْ سائر الخلق ِ بكـَونْ
من قديم ٍ وحضورٍ وأبدْ


وجميعُ الليف ِ في العشب انصهرْ
في كياني مع وجودي والأنامْ

كلُّ ذرّة من تراب ٍ منتشرْ
مازجت روحي وذابتْ في السلامْ

وشربتُ الحِنقَ أيضاً والطمعْ
والخلاصَ.. والصلاحَ والردي

كلـّها حولتـُها بحراً يشعْ
من دِما ذاتي سنياً وندي

وسرورٌ خانقٌ من نفخة ٍ
للتأملْ يعمي مُقلة ْ قاطِرة ْ

فـُجِّرَ في لهبٍ من غبطة ٍ
لاقماً جسمي وعيني الماطرة ْ

أنتَ ذاتي وأنا أنتَ كما
عالمٌ.. معلومُ.. علمٌ.. مُتحدْ

رعشة ٌ للحسِّ حـّلت عندما
فيها تيار المسرّات اتقدْ

وسلامٌ فيه ِ تجديدٌ عظيمْ
متعة ٌ تسمو على حَدّ الخيالْ

هذه النشوة ُ جودٌ من كريمْ
واتحادٌ فيهِ للشوق اكتمالْ

ما هي غيبوبة ْ عن وعي ٍ ولا
جرعة ُ تخدير ِ بل أمرٌ أكيدْ

فيهِ توسيعْ المداركْ للعُلا
خلفَ محسوس ٍ إلى البُعد البعيدْ


فأنا البحرُ الخضمُ الشاملُ
أرقـُبُ الذاتَ الصغيرة ْ بي تعومْ

يقظ ٌ، منتبهٌ، متفائِلُ
أبصرُ الأطيارَ تهجعْ أو تحومْ
وكذا الذرات ِ في صلب التخومْ

كلُ صقع ٍ في الفضاءِ يسبَحُ
في دمي مثلَ جبالٍ من جليد

بتُ وعياً ووعاءً يَطفحُ
بالذي يزخـُرْ بهِ الكونُ العتيدْ

هذهِ الحالاتُ تأتي للمريدْ
باشتياقٍ ظامئ ٍ للمعرفة ْ

وتأمُلْ حسبَ تعليم الرشيدْ
غبطة ٌ فيها ينابيع الشفا

تـُسمعُ الذراتُ في همس ٍ رقيقْ
والجبالُ مثلَ سائلْ منصهرْ

وكذا الأصقاعُ والوادي العميقْ
والبحارُ كسديم ٍ منتثرْ

هذا صوتُ أوم على سطح المياهْ
يرفعُ الأوهامَ، فيا للعجبْ

ومحيطاتٌ مضيئة ْ في تباهْ
تقفُ مكشوفة ً دونَ حُجُبْ

ذابَ صوتُ الكون ِ في قلب السكونْ
وتلاشى الكلُ في نور الوجودْ

وشعرتُ الخفقَ في كل القلوبْ
غبطة ً فيها التحرر من قيودْ
وابتهاجاً يـُبْلِغُ شط َّ الخلود

هذه الأقنعة ْ من صُلب ٍ ونورْ
وبخار ٍ وسوائلْ ترتفعْ

أما روحي فبأفلاكٍ تدورْ
نحوَ ذاتي الكبرى تواً تندفعْ

للأبدْ ولـّى خيالُ ذاكرة ْ
ميّتة ْ لا تعرِفُ غيرَ الظِلالْ

أفقُ نفسي صار حقاً نيّرا
تحتي، فوقي، وأمامي، في جَلالْ
فالأبدْ إشعاعهُ دونَ زوالْ

وإذا كنتُ فقاعة ْ عائمة ْ
فوقَ أمواج ٍ من الضحك ِ فقدْ

صرتُ أبحارَ المسرة ْ الدائمة ْ
واغتباطي بانتشائي لا يُحدْ!

لا تجزعي يا نفسي لا.. لا تجزعي!

لا تجزعي مهما الحياة ُ أسرفتْ
في جورها وتعسَّفتْ، لا تجزعي

وتعشمي الأنوارَ حتى في الدُجى
فالشمسُ في الأفق ِ وإن لم تسطع ِ

وتبسّمي مثلَ البراعم ِ للندى
وتنسمي عبقَ الصبا المتضوع ِ

وإذا المآسي قرَّحتْ أجفانـَك ِ
فالعينُ تصفو بانهمار الأدمع ِ

والشوكُ إن أدمى الأنامِلَ وخزُهُ
فالوردُ يهمسُ عِطرهُ لو تسمعي!

وتذكري أن وجودَكِ لازمٌ
للكون ِ صنوٌ للشهاب الألمعي

إن كنتِ تخشينَ الحياة َ وبأسها
فتوجهي بالروح ِ نحو المبدع ِ

وودّعي دنيا الغرور تأمني
وقلبَك ِ عند الأمين ِ أودعي

وامشي على درب الحقيقة ِ تـُبصري
نورَ الوجودِ وعندها لن تـُخدَعي

لا تعْبسي، لا تيأسي، لا تحبسي
النهدات ِ والآهات ِ بين الأضلع ِ

لا تقنطي فالعيشُ يزخرُ بالأملْ
وإذا شعرت ِ بالتوجِّس ِ فارجعي

فإذا فعلتِ سوفَ تلقينَ الرضا
وإذا اندفعتِ أخشى أن تتوجعي

لا تقفزي وسط الظلام ِ فربما
صادفتِ ما لا تقدري أن تدفعي

بل اسلكي درباً أميناً تهنئي
بالخير ِ كل الخير من بحر الوعي

ما زالَ ربُك ِ ساكنا ً في عَمقِكِ
في الروح ِ في الوجدان غير مقنـّع ِ
لا تجزعي.. يا نفسي لا.. لا تجزعي!

والآنَ فلنقرأ وصية ْ صادقة ْ
فيها مشاعر مع أفكار ٍ سامقة ْ

نظمها الصديقُ للصديق ِ
قبل افتراق العمر ِ والطريق ِ

فكلُ بيتٍ فيه حسٌ صادقُ
وكلُ معنى بالمودة ِْ عابقُ
***
صديقي عندما نفسي تفارقْ
هشيمَ الأرض ِ.. أحلامَ السُباتِ

فلا تأسُ لفقدي أو ترتلْ
ترانيمَ المراثي المبكياتِ

ولا تغرُسْ جفنات الوردِ حولي
ولا أشجارَ سرو ٍ باسقاتِ

كن الطلَّ النديَّ على ترابي
وزخات الغيوث الهاطلاتِ

كن الأعشابَ حولي يا صديقي
وأهداب الأقاحي الباسماتِ

وإن رُمتَ لقائيَ بعد هذا
ستبصرني بكل الكائناتِ

واذكرْ إن أردتَ وإن سلوتَ
فلا لومَ عليكَ مدى الحياةِ!

بعدَ الوصية هذي أبياتٌ بها
فكرٌ عميقٌ هيا نستمع ْ لها

من نظم روديارد كيبلنغ المعروفِ
ترجمتـُها إلى بني معروف ِ

***
إن كنتَ تمشي وترنو للفضا الصافي
وتبصرُ الشمسَ تسكبْ نورها الشافي

وإن بعزمكَ آمنتَ ولو نكركْ
كلُ الأنام ِ وقالوا أنكَ غافِ

وإن كـُرهتَ ولم تبعثْ مثيلتها
لقلبِ حاقدِ أو وجدانه ِ الجافي

وإن رأيتَ رعيلَ الناس ِ منهمكاً
بالقيل ِ والقال ِ من هذر ٍ وإسفافِ

وإن بسَمْتَ لإخفاق ٍ وترقية ٍ
وقلتَ ما أستحقُ يأتي بالوافي

وظلَّ فكركَ في الآفاق معتلقاً
يعاينُ اللهَ في المنظورِ والخافي

وإن شعرتَ وحيداً في الكفاح ِ ولمْ
يهُنْ بكَ العزمُ أو إحساسُكَ الدافي

فأنتَ صاحبُ الدنيا بأكملها
وأنتَ كفؤٌ وللمواقف كافِ

والآنَ إلى عهدِ برمهنسا
ووعده ِ بأنهُ لن ينسى..

***

عندما أقطعُ عهداً بالسكوتْ
كيما أبقى مع حبيبي في انسجامْ

أنعمُ بينَ ذراعيهِ اللتين ِ
تغمرا الكونَ العظيمْ

سوفَ أبقى سامعاً ألحانـَهُ
وأناشيدَ السلام ِ والنعيمْ

مُبصراً مخبوءَ أطيافٍ
وقدسيَّ تجلّ ٍ ورؤيا للعليمْ..

بيدَ أني سوفَ لا أنساكمُ
وسأرمقكمْ بصمتٍ واهتمامْ

تخطرونَ فوقي في الأعشابِ
في نبت الأديمْ

أو تروني ناضراً في الغصن ِ
مخضرّاً بأوراق الكرومْ

وسأرعاكمْ بعطف القلبِ
والأم الرؤومْ

من خلال قرمز الزهر ِ
المضمّخ بالوئامْ

مما يجلبْ لكمُ البهجة َ
والغبطة ْ وإحساس السلامْ

وأطوّقكمْ وأداعبكمْ
بأعطاف النسيمْ

كيما أنجدكمْ من الخوفِ
ومن ظل الهمومْ

وأغلفكمْ بنور الشمس ِ
يوحي بالدفء الحميمْ

عندما الوحشة ُ تنسَلُّ
برعشة ْ للصميمْ

حينما للبحر ِ ترنونَ
تروني في الخضمْ

واحداً مع ربي في الأفق ِ
ونيليّ الخيامْ


فيها إشعاعٌ لجينيٌّ
ولازورد كريمْ

سوف لا أنطقُ قطعاً
إلا من عقل ٍ فهيمْ

ومن الوجدان ِ إن شئتُ
سأعتبْ أو ألومْ

من محبتكمْ سأقنعكمْ
وخفـّاق الهيامْ

علكم تصبونَ للمعبودِ
شوقاً كالوحامْ

سوف أغريكمْ ولكنَّ
بإغراءٍ سليمْ

للتمتعْ بوداد الربِ
ينبوع الهيامْ

وتناسوني إذا شئتم
ولا تنسوا الرحيمْ

فإذا باتَ بذكراكم ذكرتوني
على طول الدوامْ!

والآن.. فلنستذكرْ الماضي البعيدْ
فالذكرى تطربُ الإحساسَ كالنشيدْ..

***

هيا نطوي للوراء ِ أعواماً طويلة ْ
ونعودُ بالذكرى إلى عهد الطفولة ْ

يومَ كنا نملأ الجوَّ ابتساماً وحبورا
ونسيرُ في حقول ٍ

رشّها الفجرُ رذاذاً لؤلؤياً
مازجَ الحسنُ عبيرا!

كانتْ الوادي وما زالت وهاتيك الدروبْ
يوم سرنا وتبادلنا أحاديثَ الغروبْ

وسمعنا الطيرَ يشدو
ورأينا الطفلَ يعدو

وغرسنا الشوقَ في فصل الشتاءْ
حولَ كومات ٍ من الجمر بجو ٍ من رضاءْ

نشربُ الشايَ ونصغي للحكايا
نقرأ ُ تلكَ الرواية ْ

ويطول ُ الليلُ من ثم يوافينا الكرى
فننامُ بعدما الأمنُ إلى القلب سرى

تلك أيامٌ سعيدة ْْ
هل تعودُ يا ترى؟!

والآنَ أهدي هذه الأبياتِ
لمن لهمْ مودة ٌ في ذاتي

تحية ً من منبع ِ أعماقي
وفيها نبضُ الخافق الخفاق ِ..

حفظ َ اللهُ العشيرة ْ
ذات المزايا النضيرة ْ

وأدامَ الوِفقَ والتوفيقَ
أنهاراً غزيرة ْ

لتظلَ أسرة ً يكلؤها الباري
ويرعاها صغيراً وكبيرا

ويظلُ الشَملُ ملتماً
على طِيبْ السريرة ْ

ففي التلاقي يقينٌ
وفي التفرُّق ِ حيرة ْ

وفي التآلف ِ خيرٌ
لمنْ يحبّذ َُ خيرا

وفي التعاضدِ عزمٌ
وفي الخذلان ِ مرارة ْ

وفي التوافق ِ ربحٌ
وفي الشِقاق ِ خسارة ْ

فلتحتفظ ْ بالثوابتْ
ولتكن لها منارة

ولتبقَ طوداً وطيداً
صامداً مثل الحجارة ْْ

لقد مَشينا طويلا ً
على دروب ٍ عسيرة ْ

وواجهتنا صعابٌ
وتدبـّرنا أمورا

لنا في التوحيدِ وهجٌ
يظلُ دوماً منيرا


يتحدى زعزعَ الريح ِ
يبدد الديجورا

إنَّ في الباشا افتخاراً
وعزة ً وشعارا

وفي الريّان ِ عقولٌ
راجحة ٌ وكبيرة ْ

وفي الأردنَ نشامى
نفوسُهُمْ مستنيرة ْ

يُحسنونَ تصريفَ الأمور ِ
بإدراك البصيرة ْ

فهـُمُ ما زالوا نِبراساً
ومِلحاً وخميرة ْ

هـُمُ للباطن ِ حِرزٌ
وللحكمة ْ ذخيرة ْ

حفِظ َ المولى العشيرة ْ
وليكنْ هاديها دوماً
وليدمْ لها نصيراً ومجيرا

والسلام عليكم
محمود عباس مسعود
الولايات المتحدة


























































































































































































































محمود مسعود


ندعوكم للإطلاع على يوغا الروح والتعاليم الروحية
للمعلم برمهنسا يوغانندا
في موقع السويداء يوغا على الرابط التالي
http://swaidayoga.com/
مع تحيات
محمود عباس مسعود

محمود عباس مسعود


ندعوكم للإطلاع على يوغا الروح والتعاليم الروحية
للمعلم برمهنسا يوغانندا
في موقع السويداء يوغا على الرابط التالي
http://swaidayoga.com/
مع تحيات
محمود عباس مسعود

وجدانيات أبدية أزلية


ندعوكم للإطلاع على يوغا الروح والتعاليم الروحية
للمعلم برمهنسا يوغانندا
في موقع السويداء يوغا على الرابط التالي
http://swaidayoga.com/
مع تحيات
محمود عباس مسعود

خوارق طاقات روحية


ندعوكم للإطلاع على يوغا الروح والتعاليم الروحية
للمعلم برمهنسا يوغانندا
في موقع السويداء يوغا على الرابط التالي
http://swaidayoga.com/
مع تحيات
محمود عباس مسعود

قدرات روحية


ندعوكم للإطلاع على يوغا الروح والتعاليم الروحية
للمعلم برمهنسا يوغانندا
في موقع السويداء يوغا على الرابط التالي
http://swaidayoga.com/
مع تحيات
محمود عباس مسعود